معركة "التشريعي" الفلسطيني

د.أحمد جميل عزم

تلوح بالأفق الفلسطيني أزمة جديدة، عنوانها المجلس التشريعي الفلسطيني، المتوقف فعلياً منذ العام 2007، على الأقل، ولهذه "المعركة" المرتقبة عنوان عريض هو "الخلافة"؛ أي من الذي سيتولى الرئاسة في حال توقف الرئيس الفلسطيني عن القيام بدوره لأحد الأسباب المحددة في القانون، وأحد السيناريوهات هو تولي المجلس المركزي الفلسطيني، لمنظمة التحرير الفلسطينية مهام المجلس التشريعي، وهو ما تحاول "حماس" قطع الطريق عليه، بالقول إن آخر رئيس مجلس تشريعي سيكون الرئيس. وفيما يلي مجموعة نقاط وأسئلة، من المهم التفكير بها.
هل تريد حركة "حماس" فعلا تولي الرئاسة، في حالة خلو المنصب؟ وإذا كان الحديث عن نص قانون أساسي وأنظمة، فالحقيقة أنّ "حماس" خرقت هذه القوانين مراراً، ومن ذلك عقد اجتماعات لكتلة حركة "حماس" وإعطاؤها صلاحية التشريع، وكذلك إطلاق وتنفيذ أحكام الإعدام مراراً رغم أن القانون الأساسي يشترط مصادقة الرئيس على أحكام الإعدام، وبالتالي ربما المنطق أن تفكر "حماس" بالموضوع بمنطق سياسي براغماتي وطني.
الأهم من ذلك أنّ أي صلاحية لرئيس المجلس التشريعي محددة بـ60 يوما، فهل ستستطيع حقا تنظيم انتخابات في الضفة الغربية وغزة والقدس؟
هناك أسباب كثيرة تعقد تنظيم انتخابات، بدءا من عدم التعاون الإسرائيلي، وصولا لعدم تعاون الأجهزة الأمنية الفلسطينية، ولن يكون بالإمكان ادعاء الشرعية لرئيس بعد 60 يوماً حتى لو كان هناك موافقة (وهي غير موجودة) من القوى الفلسطينية المختلفة، على مسألة تولي آخر رئيس للمجلس التشريعي، للرئاسة الانتقالية، خاصة أنه لن يكون هناك عذر لعدم تنظيم الانتخابات تشريعياً ورئاسياً؟
كذلك لا بد من تذكر أن "رئيس السلطة" منصب يمكن لمنظمة التحرير أن تقوم بتقزيمه، وهي كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، بإمكانها أن تخبر العالم أن رئيس المنظمة (أي رئيس حالي أو مقبل) هو جهة المخاطبة، المكلفة بشؤون الشعب الفلسطيني، وأنها هي الجهة التي تدير الشؤون المالية والمنح، وسيستجيب جزء كبير جدا من العالم لذلك، وسيقاطع الباقي الرئيس "الانتقالي".
يجب تذكر أنّ السلطة لا يمكن لها إلغاء المنظمة، ولكن المنظمة إن لم تلغ السلطة، فتستطيع "تقزيمها".
من جهة ثانية، فإنّ سعي حركة "فتح"، أو أطراف في منظمة التحرير، طرح سيناريو حل المجلس التشريعي، أو إحداث تغييرات في النظام السياسي، أمر ممكن، بحسب فقهاء قانونيين، ولكن بالتأكيد أنّ وضعاً معقداً سينشأ: أولا، سيتمدد الانقسام إلى أمد أطول. وثانيا، سيكون ضرورياً إيجاد تغييرات شاملة ومتتالية في النظام السياسي، حتى يكون بالإمكان الحصول على تأييد شعبي لتغييرات واسعة؛ وهذا يتطلب أولا طرح موضوع السلطة الوطنية، ضمن رزمة واحدة، بدءا من مؤسسة الرئاسة وصولاً للتشريع مروراً بالقضاء، فكيف سيعاد تنظيمها؟. وثالثاً، يجب إعادة تفعيل منظمة التحرير ومؤسساتها ودوائرها، وأسس اختيار أو انتخاب أعضاء مجالسها ولجانها وأطرها. ورابعاً، سيكون هناك حاجة لتصور متكامل لدور المجلس المركزي، وطريقة تطويره، ووتيرة انعقاده، وصلاحياته وأدواره، الرقابية والتشريعية.
ربما يكون الأمر الإيجابي في هذا الجدل ضرورة إدخال موضوع مرحلة انتقالية للنظام السياسي الفلسطيني، وتحديداً موضوع السلطة الفلسطينية، ضمن رزمة مباحثات، تتعلق بالمرحلة المقبلة.
كل ما يحاول الجانب الأميركي الإسرائيلي فعله حالياً، هو تقليص الظروف الموضوعية التي تؤدي للانفجار الشعبي في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبالتالي يطرحون أمورا مثل تحسين الأحوال الحياتية، وتقليص الأزمات الإنسانية وحسب، من دون حلول سياسية.
يبدو أن نهج القيادة الفلسطينية، في الأشهر الفائتة، كان قبول التأزيم، خصوصاً في غزة، إذا كان هذا ثمن الضغط على "حماس" لتقديم المزيد من التراجع. في المقابل فإنّ "حماس" بدأت فعلا تراجعات وتنازلات، ولكنها تريد تقليصها قدر الإمكان، ولا تريد الوصول لوضع جديد كلياً في إطار من "يحكم" غزة.
ربما يجدر السؤال هل يكفي هذا الضغط الآن في غزة؟ وهل على "حماس" التخلي عن نهج "أقل قدر ممكن من التراجع"، لصالح تنازل الطرفين ضمن رزمة إصلاح متكاملة، تُجنب الفلسطينيين استمرار الوضع الراهن، وتقطع الطريق على قوى تريد جعل الوضع الحياتي اليومي باباً للتطبيع بين "حماس" وإسرائيل، على حساب الوحدة الفلسطينية. ربما نضجت لحظة انطلاقة جديدة لمفاوضات لإعادة تشكيل الوضع السياسي الفلسطيني.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018