هل تختلف "جبهة النصرة" عن "داعش" حقاً؟

أسامة شحادة*

لأول مرة في مسيرة الدعوة الإسلامية، نجد حالة من الاتفاق بين مختلف فصائل الدعوة والعمل الإسلامي، فضلاً عن العلماء والدعاة والمفكرين، يعلنون من خلالها بوضوح وقوة إدانتهم لمنهج الغلو والعنف والتكفير الذي يقوم به في سورية تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" (داعش)، وذلك بعد أن سهل تطور وسائل الإعلام والاتصال نشر جرائم التنظيم وكوارثه على الإسلام والمسلمين والبشرية، وعمالته وخدمته لأعداء الأمة.
وللأسف، فإن هذه الظاهرة من ابتلاء العمل الإسلامي بفصيل متطرف ومنحرف في فكره وسلوكه، ليست ظاهرة حديثة، بل هي ظاهرة متكررة، حدثت في عدد من الدول. وقد حذر منها وأدانها العقلاء وأهل العلم في تلك البلاد، لكن صوتهم بقي ضعيفاً لم يؤثر، وذلك لعدة أسباب، منها:
- التعاطف الشعبي العام مع أي شخص أو جماعة يحاربان الأنظمة ويرفعان شعارات إسلامية وجهادية، خاصة إذا كانت تلك الأنظمة على عداء مع الإسلام. فكان هذا التعاطف يقلل من تحذير العلماء، ويعتبر نصرة للطواغيت والظلمة، ويتم إسقاط العلماء والفضلاء والعقلاء بتهمة الولاء للحكام.
- عدم تيسر وسائل إعلامية عامة تثبت تلك الانحرافات، فتبقى آثار تلك الانحرافات محصورة بمن تضرر منها، من دون أن يعلم غالبية الجمهور عنها. ولنا في العراق أكبر مثال. فجرائم "داعش" في سورية اليوم، هي نفس جرائم "دولة العراق الإسلامية" قبل عدة سنوات في العراق بحق المحافظات السنية. لكن عدم وجود أدوات التواصل الإعلامي الشعبية قبل بضع سنوات، جعلت تلك الجرائم يبتلعها النسيان والتجاهل!
- ضعف بعض أو كثير من العلماء والدعاة عن الصدع بكلمة الحق تجاه انحرافات هذه الجماعات المتطرفة، بحجة أنها تقاتل الكفار والأنظمة العميلة؛ فلا نعين الكفار والأنظمة على "المجاهدين"!
لكن اليوم تغيرت الأحوال، فـ"داعش" يقوم بجرائمه العقدية والفكرية والمادية، من التكفير والتخوين والقتل والتفجير والسلب والاغتصاب، بحق فصائل جهادية وجماهير مسلمة مساندة للثورة السورية، وكل ذلك مسجل وموثق بالصوت والصورة والكتابة، والجميع يلمس ثمرات هذا التطرف والغلو، وكيف أنه يقدم الدعم والمساندة لنظام بشار الأسد، على غرار دعم حزب الله والميلشيات الشيعية وإيران وروسيا والصين لهذا النظام!
وبسبب انفضاح هذه الجرائم والخيانات "الداعشية"، أصبح المناخ مناسباً لعدد من الأصوات أن تجهر بالتحذير والإدانة لـ"داعش"، وبيان أنه جماعة عميلة ومنحرفة وخارجية، تضر بالدعوة والعمل الإسلامي، برغم رفعها شعار الدولة الإسلامية والجهاد. 
ومع كل ما قام به "داعش" من جرائم وخيانات وتفتيت لصف الثوار، ما يزال البعض يحسن النية والظن بالتنظيم، ويدعوه إلى المصالحة والتعاون، و"داعش" يواصل لطمهم على وجوههم، ويرفض المصالحة. وهولاء الساعون للصلح، يتذرعون بالورع البارد لعدم إدانتهم وإصدار حكم الشرع فيهم، برفضهم للتحاكم للشريعة -وهم يتبجحون بنصرة الشريعة- أو بقتلهم للأنفس المعصومة وعدوانهم على الأموال والأعراض بغير وجه حق، فضلاً عن نصرتهم لأعداء الأمة وخيانتهم للثورة المباركة.
وهذا الموقف هو استمرار لرؤية ضيقة، تعطي، من دون قصد ربما، حصانة لمن زعم الجهاد والمقاومة، ومن جهة أخرى نتيجة لخلل فكري يريد أن يجرب بنفسه دوماً من دون اعتبار لتجارب الماضي. وهؤلاء الساعون للصلح نوعان:
النوع الأول، ناشئ جديد على العمل الإسلامي، يريد أن يخترع العجلة بنفسه. ولذلك تجد مواقف أشخاصه مناقضة تماماً لمن أوغل في جماعات التطرف والغلو، كأبي محمد المقدسي الذي نشر رسالة مؤخراً تبرأ فيها من أفعال "داعش". ومن قبله أبو بصير الطرطوسي الذي حذر من "داعش" مبكراً، وأن التنظيم سيتطور ليكون خنجرا في ظهر الثورة السورية، وقد صدق توقعه. وهذا هو الفرق بين المستجدين والطارئين على العمل الإسلامي وبين أصحاب الخبرة!
أما النوع الثاني، فهو الأصل الذي انبثق عنه "داعش"، وهو تنظيم القاعدة. ولذلك، نجد الظواهري وأبو محمد الجولاني، زعيم "جبهة النصرة"، يدعوان للمصالحة برغم كل الجرائم، ومن دون إدانة لها، وبرغم الرفض المتكرر من "داعش" للمصالحة، فضلاً عن مهاجمته للظواهري ولجبهة النصرة وقتل بعض قياداتها!
وهنا نأتى لسؤال العنوان: هل تختلف جبهة النصرة عن "داعش" حقاً؟
مما قد يساعدنا على الجواب، كتاب "الدولة الإسلامية بين الحقيقة والوهم"، لأبي عبدالله محمد المنصور، الأمير في جيش المجاهدين في العراق، والذي كان أستاذ أبي بكر البغدادي العام 2005.
ففي كتابه هذا الذي كتبه منذ زمن طويل، عقب تأسيس دولة العراق الإسلامية في تشرين الأول (أكتوبر) 2006، لكن لم تتح فرصة لنشره حتى إلكترونيا إلا بعد أن أصبح هناك مناخ يمكنه سماع حقيقة هذه الدولة وجذورها! يكشف المنصور أن كل المؤاخذات على "داعش" في سورية كانت موجودة في دولة العراق من قبل؛ الجرأة على الفتوى بالتكفير للمخالفين والممتنعين عن بيعتهم، ومن ثم قتلهم وسلب أموالهم. وهو يحدد موطن الخلاف معهم فيقول: "فأصول خلافنا معهم خمسة أمور: التكفير بغير حق، والقتل بغير حق، والكذب، والجهل، وعدم مراعاة السياسة الشرعية في العمل الجهادي". وحول تقييمه لدولة العراق فيقول: "فلا شك عندي أنهم وقعوا في كثير مما وقع فيه الخوارج من الغلو في التكفير والقتل بغير حق، وواقعهم العملي يثبت ذلك.. يكفّرون الأعيان بمسائل مختلف فيها بين العلماء.. ويكفّرون بالظنون والأوهام..".
والمهم هنا أن هذه الجرائم والانحرافات كان الظواهري وابن لادن يعلمان بها، وروجعا بشأنها مرارا. وقد أعلن ذلك تنظيم أنصار الإسلام في العراق، ونشر مؤخراً عن رسائل عزام الأميركي، أحد القيادات القاعدية لابن لادن، طلب عزام فيها من القيادات قطع العلاقات مع تنظيم الدولة في العراق، لأنه يضر بأفعاله بسمعة "القاعدة" ويشوه صورتها. ولكن هذا لم يحدث.
فإذا علمنا أن "جبهة النصرة" أصلا هي فرع منتدب لسورية من دولة العراق، وأن الجولاني هو قيادي سابق هناك، ولم نعلم أنه ترك شيئاً من منهج دولة العراق، إلا أنه تجنب الاصطدام بالشعب السوري، ولم نجد من جبهة النصرة للآن استنكارا على "داعش" تكفيرا للفصائل المجاهدة الأخرى وقتلها غدرا لعدد من القادة والمجاهدين والإعلاميين وغيرهم، بل وجدنا تصريحا لجبهة النصرة في القلمون ينص على "إن جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام على منهج واحد وإن افترقت السياسات"، فإن ذلك يجعل الخلاف في التكتيك والأولويات.
وأخيرا، يجب أن نحاول فهم اللغز العجيب والغريب المتمثل في أن الظواهري كان قد أعلن عن حل تنظيم القاعدة في العراق واندماجه في دولة العراق الإسلامية، لكن جبهة النصرة بعد إعلان البغدادي حل دولة العراق الإسلامية وإعلان دولة العراق والشام الإسلامية، اضطرت لإعلان بيعتها للظواهري والانتماء لتنظيم القاعدة! فهل يمكن لأحد معرفة لمن تنتمي جبهة النصرة في الحقيقة؟

*كاتب أردني

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018