السرّ التركي في السياسة الأميركية

د.أحمد جميل عزم

يبدو الإصرار الأميركي على تحقيق تقارب تركي–إسرائيلي، كبيرا إلى درجة مثيرة للاستغراب، وتدفع إلى التساؤل: هل هذا تمهيد لتصور أميركي معين يقوم على هذا التقارب؟ ومع العلاقات الحسنة بين كل من "حماس" ومنظمة التحرير الفلسطينية، من جهة، وتركيا من جهة أخرى، بالتزامن مع الأزمة المتفاقمة في مصر، هل باتت تركيا بديل مصر في لعب دور الدولة الإقليمية الكبرى والراعية، خصوصا في عملية التسوية، وربما المصالحة الفلسطينية؟
خلال زيارته الأحد الماضي إلى اسطنبول، ضغط وزير الخارجية الأميركي جون كيري، لتسريع تطبيع العلاقات التركية-الإسرائيلية، والتقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس.
بعض الفرضيات التي يمكن أن تفسر الحراك الأميركي المكثف في تركيا، أنّ الإدارة الأميركية تشعر أنّ مصداقيتها الخارجية على المحك، وأنّه من الضروري تحقيق نجاح في الملفات الدولية، وإلا فإن مكانة الولايات المتحدة تهتز بشدة. ومن هنا، مثلا، فإنّه من غير المسموح أن يتبخر النجاح في تحقيق مصالحة بين الأتراك والإسرائيليين الشهر الماضي. وسبب ثانٍ هو الموقع الجيواستراتيجي لتركيا، على الحدود مع كل من سورية وإيران، وكلاهما ملفان ساخنان.
ولكن ماذا عن عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية؛ لماذا هذا التركيز على دور تركيا؟ لقد طلب كيري من الأتراك تأجيل (ولم يذكر الإلغاء) زيارة رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان إلى قطاع غزة، ليعطي عملية السلام فرصة، بدون أن يكون واضحا كيف تعرقل (أو لا تساعد) هذه الزيارة عملية التسوية. ويوم الأربعاء الماضي، تحدث كيري أمام الكونغرس الأميركي بأنّ حل الدولتين أمامه سنة ونصف السنة أو سنتان، وليس أكثر.
يمكننا توقع أنّ تركيا تقوم بدور كان يجب أو كانت تقوم به مصر في السابق، ولكن بسبب أزمة مصر الحالية، وربما قرب النظام هناك نسبيا من "حماس"، فإنّ واشنطن تجد في تركيا بديلا مناسبا. على أنّ كل هذا لا يجيب عن سؤال: لماذا هذا الإصرار على استئناف العلاقة التركية-الإسرائيلية على نحو طارئ، وما الذي يمكن لأنقرة أن تقوم به في العملية السياسية؟
في دراسة نشرها "معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى" مطلع هذا العام عن أهمية تركيا في السياسة الأميركية، جاء أنّ تركيا يُتوقع أن تبقى مستقرة سياسيا ثلاثة أعوام. وبالتأكيد، فإنّ لهذا أهمية لواشنطن عندما تنظر إلى محيط غير مستقر، وبالتالي تكون أنقرة هي الحليف الإقليمي الأفضل. إلى ذلك، تقول الدراسة إنّ تركيا والحزب الحاكم فيها "إسلامية قليلا، علمانية قليلا، ومحافظة قليلا، وغربية قليلا. وهذا يقدم لواشنطن مجموعة من الفرص الفريدة".
رفض كيري لدى حديثه إلى الكونغرس توضيح ما إذا كانت لديه خطة زمنية لعملية السلام. ومن الواضح أن الحديث عن مساعدات بقيمة 123 مليون دولار لتزويد المعارضة السورية بذخائر وأسلحة، سبّب خيبة أمل لهذه المعارضة، لأنّ هذه المساعدات، وخصوصا من حيث نوعيتها، لن تؤدي لأثر حاسم في الصراع في سورية؛ فليس هناك تدخلٌ عسكريٌ، أو أسلحة حاسمة. وبالتالي، لا تبدو واشنطن على عجلة من أمرها لترتيب الشأن السوري، ولا يبدو أن لديها مهام عاجلة في عملية التسوية. فهل هناك، إذن، تصورٌ ما يتم تهيئته على "نار هادئة" بتنسيق من باراك أوباما وجون كيري معا، أم أن الأمر مجرد حراك دبلوماسي؟
من المستبعد أن يكون الأمر مجرد حراك، وأن لا تكون هناك تصورات حول ما يحاول الأميركيون التهيئة له. وجزء شبه مؤكد من الحراك هو دور تركيا في إطار حلف "الناتو"، وعمليات نشر صواريخ، وترتيبات عسكرية معينة، يبدو أنّ واشنطن معنية بأن تكون إسرائيل جزءا منها.
في 15 أيار (مايو) المقبل (ذكرى النكبة الفلسطينية)، سيزور أردوغان واشنطن، ومن المقرر أن يقوم بعدها بزيارة غزة. ربما يكون على أجندة رئيس الوزراء التركي جلب "حماس" للعملية السياسية، وربما لا تكون واشنطن قد أقفلت البوابة، بدليل أنها طلبت تأجيل وليس إلغاء زيارة أردوغان إلى غزة.
زار كيري اسطنبول لحضور المؤتمر الدولي الخاص بسورية، ولكنه تحدث كثيرا عن عملية التسوية. وفي الحالتين، لا يوجد شيء حاسم. ولكن الواضح أن كثيرا من المفاتيح ربما يضعها الأميركيون في أنقرة.

ahmad.azem@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018