مقبرة و"..." وبناء بدون مسامير أو سقف

د.أحمد جميل عزم

فقدتُ التركيز، فشعرتُ بالحرج. أخبرني مضيفي ورفيقي الكريم أنّ البنايتين "سكن الضباط اللبنانيين" تواجد فيهما، وفوقهما، قادة الجيش الإسرائيلي إبّان المجزرة التي تجري في المخيم القريب. نظرت خلفي فرأيت نُصبا ضخما عليه صور لحافظ وبشار الأسد، مقدّم من رفيق الحريري! كيف يستطيع الزعماء إقامة نصب هنا؟ ألا يخشون أن يتذكر الناس، فيسألوهم ماذا فعلتم قبل، وأثناء، وبعد المجزرة؟ لماذا لا يبدو ممكنا، أو متوقّعاً، أو محتملا، إقامة نُصب للضحايا هنا ليزورهم القادمون من كل العالم؟ مررت بسفارة كبيرة لدولة عربية، زاد الارتباك؛ ألا تزعجهم ذاكرة المكان؟
ماذا تفعل يا رفيقي، ومضيفي؟ أنت باحث وكاتب مخضرم ومشاكس، وحملت البندقية في ذلك العام، ولكن ماذا تفعل الآن؟
شرح لي الطريق، وأخبرني كيف نصل المخيم. ولكنه يسأل شخصا كيف ندخله؟ هل هو غير متأكد؟! ويكرر السؤال لشخص ثان، وثالث، ورابع، وخامس. كان اثنان من اللاجئين السوريين، فارتبكا كيف يدلانا. إجابات الثلاثة الآخرين متطابقة. أدركت ماذا يفعل بي: "المخيم بعد المزبلة على اليمين"؟! جرّعني الإجابة مَرّات، وتظاهر أنّه لا يعرف.
كنتُ أحاول استيعاب اللحظة السابقة؛ لحظة دخول المقبرة الجماعية لشهداء صبرا وشاتيلا، العام 1982، قبيل المخيم. كيف نمشي فوق المقبرة، فوق الأرض التي ضمتهم؟ فوقهم؟!
بدا "مُخرج" الزيارة في حالة غريبة وهو يطلب مني تصوير القمامة الموجودة في الموقع، وتصوير دجاجات تذرع المكان. وأنا دخلت حالة هذيان وأنا أكاد أرى الصور المرسومة بالظلال السوداء، تتحرك على الجدران. عندما نظرتُ إلى الصور لاحقا لم تبد هكذا.
التصوير ممنوع خارج المقبرة. تخضع المنطقة لسيطرة حركة "أمل".
كي تدخلها لا بد أن تخطو فوق أشياء كثيرة معروضة للبيع تحتل معظم الباب؛ أشياء تخطر أو لا تخطر على البال، من بينها مثلا، شعارات منتزعة من زجاجات مشروبات كحولية، من يريد شراء هذه الأمور؟ نهرنا البائع على باب المقبرة أنّ التصوير فقط في الداخل.
عندما رأيت صورة علي أبو طوق الذي قتله من دعمهم الجيش الذي كان داخل لبنان وقت المجزرة ولم يفعل شيئا، أردت أن أخرج. رأيته نهاية السبعينيات في قلعة شقيف يتحيّن ورفاقه اللحظة بين قذيفة إسرائيلية وأخرى، ليقفزوا "بتنكة" إسمنت لدعم تحصينات القلعة. أردت الخروج وأنا أرى صورته داخل مقبرة شهداء حرب المخيمات أواسط الثمانينيات، داخل المسجد في مخيم شاتيلا. أردت الخروج وأنا أرى "المزبلة"، قبل دخول المخيم. خرجت بعد أن وصلت مستشفى "غزة"؛ وكان مقررا أن يكون مستشفى ولكنه تحوّل إلى ملجأ مكتظ بعائلاتٍ تسكنه.
تقول الأغنية: "شوارع المخيم تعج بالصّور". وصورهم تزداد، والذاكرة تعج بما هو أكثر. والذاكرة كائن بري، مخادع، ماكر، ينتقل في الجينات، حتى لو لم تعه العقول.
تعيد هذه "المزبلة" إلى الذاكرة ما سجلته بيان نويهض الحوت من شهادات في كتابها "صبرا وشاتيلا": بدأ السكن في منطقة صبرا عندما قام محمد الداعوق بإسكان اللاجئين من يافا وصفد في مقبرة. والمخيم المقام على أرض الباشا شاتيلا، بدأ خياما. ثم أقام أرباب العائلات مدماكين أو ثلاثة من الطوب، وارتفعوا مدماكا بعد آخر على مراحل متباعدة. ولكن، كان هناك ممنوعات حرص الأمن اللبناني عليها: "السقف ممنوع"، و"المسامير ممنوعة"، و"الباطون ممنوع". إذ لو أصبح هناك سقف ومسامير وخشب وباطون، فهذا كما يزعمون "توطين". وضعوا خياما فوق الطوب. أو ألواح زينكو وما شابه. وأحياناً كانت بعض العائلة تجلس فوق السقف حتى لا يطير في الريح! عندما سمحوا بسقف "الزينكو"، كان تثبيته بمسامير يحتاج تصريحا أمنيا.
يوم جاءت الثورة مطلع السبعينيات، صار الممنوع مسموحا، فاستكملوا السقف. وفي تلك السنوات، أراد شبان رصف شوارع المخيم؛ جاؤوا بأكوام حجارة وأغلقوا الطريق. اقتنع أهالي المخيم وانخرطوا يرصفون الطريق بالحجارة. وجاء طلبة الجامعة الأميركية يساعدون. ويوما تعاطف معهم مسؤول لبناني يريد أن يسمح بالتشجير، فقال لأقرانه من السياسيين إنّ زرع كل لاجئ لشجرة كينيا سيريح من مشاهدة المخيم، وسيحجبهم. فوافقوا.
ربع الضحايا لبنانيون، وكان مع الفلسطينيين، سوريون، ومصريون، وبنغاليون، وأردنيون، وأتراك، وسودانيون، وباكستانيون، وجزائريون.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018