صرخة العويني وبكاء الغنوشي: هذه تونس

ياسر أبو هلالة

سيظل في عنق كل حر في العالم العربي دين لتونس، فذلك البلد البعيد عن المركز الصغير في إمكاناته، تحول في لحظة تاريخية إلى المركز الذي تتخطى إمكاناته دولا كبرى.
   ثورة تونس كانت ثورة جيل ولم تكن ثورة فصيل. وبقدر ما أحب الأحرار تونس، كرهها الطغاة الذين زلزلت عروشهم. عندما صرخ المحامي عبدالناصر العويني، وهو اليوم الناطق باسم الجبهة الشعبية في تونس"ابن علي هرب" تردد صداه في العالم، ومن المشاهد المؤثرة في ذلك اليوم بكاء الغنوشي تأثرا بتلك الصرخة وهو يجري مقابلة على قناة الحوار.
     لم يدر ببال أحد ما هي خلفية الصارخ وخلفية الباكي، كانت فرحة تاريخية لكل المنطقة، ولسان حال كل مظلوم متى أهتف بهرب الطاغية. لحظتها اكتملت الثورة التونسية، وبدأت تتحول إلى مشروع دولة تتزاحم فيه المصالح وتتناقض، حتى داخل الحزب الواحد.
    عبدالناصر العويني شخصية ظريفة، على رغم حدته اليوم على حركة النهضة، ومن شهير طرائفه في محاكمة الحزب الدستوري أنه قال لمحامية الحزب أنت  كنت مع السلطة، واليوم الثورة هي السلطة فكوني معنا! وهذا صحيح، فالثوار سواء من المستقلين أم من اليسار أم الليبراليين أم القوميين أم  من الإسلاميين هم اليوم يتنافسون على السلطة، ولا يتنافسون على من يتصدى لرصاص قناصة بن علي بصدره العاري.
    في الديمقراطية لا نعيد اكتشاف العجلة، الصراع تحسمه صناديق الاقتراع، في تونس اليوم الرد عبر الصندوق، اغتيال الشهيد شكري بلعيد عمل وحشي إجرامي ينتمي لحقبة بن علي، ومع إيماني العميق ببراءة النهضة فكرا وأداء إلا أن العمل أضر بها كثيرا، وخدم خصومها. وهي تعاملت مع الجريمة بأخلاقية وحكمة، ومهما كان الثمن الذي ستدفعه في تشكيل حكومة كفاءات فإنه يظل أقل من تمسكها بحقها في الإبقاء على حكومة شرعية منتخبة.
    أن تكسب تونس وتخسر النهضة فهذا كسب آجل غير عاجل لها، والشعب التونسي من حقه أن يتعاطف مع تيار بلعيد اليوم، أيا كان القاتل سواء مخابرات فرنسية أم جهات سلفية مخترقة أم غير مخترقة. وهذا سيحدث توازنا في المشهد الذي يميل بقوة لصالح الإسلاميين. وفي المراحل الانتقالية يظل التنازل سيد المواقف. وقد اعتادت النهضة على التنازل لخصومها من اليوم الأول.
   لعل أسوأ ما في الاغتيال أنه فتح شهية الإقصائيين للتهجم على النهضة بالباطل، مع أنها من أنظف التيارات السياسية في العالم، وتشكل تجربة تستحق الاقتداء والدعم والمساندة، بقدر ما تستحق النقد والتوجيه والمحاسبة. الاغتيال السياسي ظاهرة عالمية ووزير الداخلية علي العريض مناضل قل نظيره عالميا أمضى أكثر من عقد في زنزانة انفرادية وخرج يحمل روحا حرة تنشد الخير للبشر.
   بحسب ما نقل الصحفي المستقل سمير الوافي عن بلعيد قبل استشهاده بـ24 ساعة فإنه رفض حماية وزارة الداخلية، رغم ما وصله من تهديدات. لم يكن خائفا ولا مرتبكا وختم حديثه قائلا "الأعمار بيد الله" ثم ركب السيارة واتفقنا على المهاتفة. وكانت نهاية رجل شجاع، طالما دافع قبل الثورة بإخلاص وشجاعة ونزاهة وضمير عن حرية الذين حرضوا اليوم على قتله وكرهه وإسكات صوته. إنه شهيد الحرية وضحية الحقد وسيظل حيا في ذاكرة التاريخ مهما اختلفنا معه ايديولوجيا. ورغم حملته على الشيخ راشد إلا أنه في اللقاء الذي دام حوالي ثلاث ساعات عبر عن احترامه لحمادي الجبالي وعلي العريض واصفا الجبالي "برجل الدولة الذي غلبه ضميره". طبعا الدولة والثورة تسبب أزمة ضمير، المهم أن يبقى الضمير حيا، وفي تونس كثير من الضمائر الحية.

yaser.hilila@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018