هل يقبل الأردنيون تسوية مع الفساد؟

فهد الخيطان

برز في أوساط الساسة ورجال الحكم، منذ مدة، رأي يقول إن فتح الباب على مصراعيه لمحاكمة المتهمين شعبيا بالفساد سيهوي بمكانة الدولة ورموزها، وبأن مطالب الشارع في هذا الخصوص لن تقف عند حد. ولذلك، دعونا نغلق الملفات ونفتح صفحة جديدة وعفا الله عما مضى، شريطة أن لا يتكرر ما حصل في الماضي.
عمليا، انتصر هذا التوجه؛ فقد تكفل مجلس النواب بدفن أبرز الملفات تحت القبة، فيما جرى تجميد ملفات أخرى والقبول بتسويات مالية أحيانا.
لن نتخذ موقفا عدائيا مسبقا من هكذا رأي؛ فالدول تلجأ في محطات تاريخية معينة إلى تسويات مؤلمة لتقليل الخسائر ووقف نزف الشعبية الذي سيؤدي في نهاية المطاف إلى انهيار المجتمع قبل الدولة. وفي العديد من المجتمعات التي شهدت تحولات ثورية وديمقراطية عميقة، توافقت الأغلبية على تسويات مع إرث المرحلة السابقة، تم بموجبها العفو عن مسؤولين سابقين تورطوا في أعمال قتل وفساد. ومن أجل المستقبل يمكن أن يتنازل الناس عن الماضي.
لكن ذلك كله حدث في سياق عملية إصلاح شاملة. ففي مقابل التنازلات المؤلمة، حظيت الشعوب بأنظمة حكم ديمقراطية وعادلة، واستعاد الناس حقهم في السلطة وتقرير المصير. كما أن تلك التسويات كانت محصلة نقاش وطني علني وشفاف، وليس بصفقات سرية خلف الأبواب المغلقة، ودون أدنى إسناد شعبي.
هل سيقبل الأردنيون تسوية مع الفساد "السابق"، ومع الانتهاكات الفظيعة للدستور؟
ربما، لكن موافقة مشروطة دون أدنى شك. وإلا من يضمن أن "لا تعود حليمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل الشعبي؟ وكيف لمسؤول قادم أن يرتدع إذا لم ينزل العقاب بسلفه؟
في التاريخ السياسي الأردني شواهد عديدة على تسويات سياسية بين الدولة والمجتمع. الميثاق الوطني كان تسوية بين الدولة والمعارضة انتهت بموجبه حالة العداء؛ صفحت المعارضة عما لحق بها من أذى جراء عقود الأحكام العرفية، وقبلت الدولة بالمعارضين شركاء في الحكم ومؤسساته.
بيد أن التسوية الأخيرة التي تمت مع الفساد افتقرت إلى الشروط الواجبة للنجاح والقبول، لأنها ببساطة بدت وكأنها صفقة بين الدولة والمتهمين، وليست تسوية بين الدولة والشعب.
هذا ما يجعلنا نشك في قدرة الدولة على تمريرها، أو استعداد الناس لبلعها.
لتكن تسوية، لم لا! لكن بالطريقة التي أديرت بها تحولت التسوية إلى صفقة فساد جديدة، ستكون لها تبعات في قادم الأيام.
أتمنى أن أكون مخطئا في هذا الاجتهاد، لأن ما نريده هو أن تتعافى الدولة الأردنية وتستعيد مكانتها ومصداقيتها بأي ثمن.
على كل حال، لن ننتظر طويلا لنعرف من استفاد حقا من التسوية؛ الدولة أم الفاسدون.

fahed.khitan@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018