مكافحة الفساد والاقتراب من "عش الدبابير" يفجران تناقضات مقلقة

ماجد توبة

مرة أخرى، تضيع البوصلة، ويختلط الحابل بالنابل، عند متابعة المشهد المحلي الأردني، ورصد أجواء وتداعيات، ما أردنا أن نسميها، "معركة مكافحة الفساد"، وتبييض بعض الملفات الشائكة، التي بقيت شعارا ومطلبا، تصدح به حناجر المعتصمين منذ أكثر من عام مضى، وتمتلئ به بيانات ولافتات قوى سياسية وشعبية، ومقالات كتاب وسياسيين.
في الوقت، الذي تجمع فيه مسيرات الحراك الإصلاحي بضع مئات أو آلاف من الطامحين بالإصلاح والربيع الأردني ظهر أيام الجمع، المتناسلة منذ أكثر من عام، حيث تخترق السقوف "المعارضة" في الخطابات والهتافات والشعارات، الخاصة بملفات الفساد، يتداعى الآلاف أو المئات، هنا أو هناك، للانتصار لهذا المسؤول أو ذاك، ممن أحيل إلى القضاء أو لجان التحقيق، في الملفات ذاتها، التي تطالب مسيرات الحراك بفتحها وتبييضها!
اتهامات بالجملة للحكومة والمؤسسة الرسمية بالانتقائية في فتح ملفات الفساد، وتقديم قضية وتأخير أخرى فيما تنهال الاتهامات بفرض حصانة حول بعض الشخصيات والمتنفذين والملفات، وممارسة ضغوط رسمية لطي بعض الملفات وإغلاقها.
فيما تصبح العشيرة وصلة الدم والأصول والمنابت، ملاذ الفاسدين أو المشتبه بفسادهم، أو أؤلئك المفرطين بالولاية العامة وأمانة المسؤولية، لإرهاب الدولة والمجتمع، وإبعاد قرص نار المحاسبة والقصاص عنهم.
ولن يعدم هؤلاء المرتدون إلى حضن العشيرة والدم والأصول تقديم الأسباب للمحاججة بأنهم اضطروا للعودة إلى هذا السلاح لمواجهة "انتقائية" مفترضة، وغياب المسطرة الواحدة في الحرب على الفساد!
أما محاولة فك طلاسم مواقف وانحيازات "النخب" السياسية والثقافية والإعلامية، في صراع "الإحجام والإقدام" في عملية مكافحة الفساد، فيعجز عنها المراقب أو المحلل، ففي حين تدفع أوساط من هذه النخب، بكل قوة، باتجاه معالجات جذرية وشاملة وقاسية لملفات الفساد، تفاجئك ذات النخب في مقام آخر، بانحياز واصطفاف مع متهم أو رأس كبير، هنا أو هناك، لأسباب وأبعاد "مستترة" وغير معلنة في الغالب، أساسها اجتماعي أو عشائري، أو مستن على أساس المنابت والأصول، أو مجرد انحياز سياسي لهذه المدرسة السياسية الفاسدة أو تلك.
هذه النخب لا تعدم الاستناد إلى مبررات معلنة، وتسعى لتكون منطقية ومنصفة، فتنافح بأن ما يجري مع هذه الشخصية أو تلك هو مجرد تصفية حسابات سياسية أو تغطية على رؤوس أخرى، وبالتالي، تصبح القاعدة الذهبية، ضمن الخطاب المتهافت لهذه النخب، هو إما "محاكمة الجميع ومرة واحدة وإما علي وعلى أعدائي فتختلط الأمور ويتفرق دم الفساد بين القبائل ومراكز القوى!    
آخر النهار، يخرج المراقب للمشهد المحلي، في محصلته "السوريالية"، بصورة محبطة، يغلفها قلق حقيقي، من أن "جبل" مكافحة الفساد في حالتنا الأردنية لن يتمخض في النهاية – كما يبدو- إلا عن فأر فيما ستبقى حناجر الناشطين في حراكات الجمع تصدح، بحثا عن عدالة ومحاسبة لملفات، لم يعد سهلا إحصاؤها!
وبين ثنايا هذه الفوضى، التي لا تتردد فيها نخب سياسية و"مناضلة" وثقافية وإعلامية عن طرح مائة خطاب إصلاحي متناقض في اليوم الواحد، تبدو مكافحة الفساد، عقدة المنشار في ربيع الإصلاح الأردني، التي تحمل من التناقضات ما قد يطيح بمنشار "الإصلاح" برمته!!

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018