باراك أوباما خرج ولم يعد

عيسى الشعيبي

منذ أن بدأت قسمات وجهه على البورتريه في التآكل التدريجي قبل نحو عام، إلى أن أمّحت صورته الكبيرة داخل البرواز الذهبي تماماً منذ أيام، كنت طوال هذه الفترة، وحتى الأمس القريب، تحت شعور غامض بقرب عودة باراك حسين أوباما إلى البيت الذي خرج منه ولم يعد، كأي فتى ضل الطريق ثم رده الحنين إلى الحضن العائلي الدافئ بعد لأي شديد ومراجعات ذاتية صامتة وعذاب ضمير.
والحق أن من انقطع عن حضوره الباذخ بيننا وأمعن في الغياب عنا، ليس الرئيس الأميركي الرابع والأربعين، وإنما هو ذلك الفتى الأسود اليتيم المفوّه، الذي أتى من هامش الهامش وصعد على درجات السلم الطويل، إلى أن حط في المكتب البيضاوي قبل نحو ثلاثة أعوام، رئيساً لرؤساء العالم، مسجلاً سابقة غير مسبوقة في التاريخ الأميركي الأبيض، ناثراً وعوده بالتغيير والسلام في كل مكان.
بدا لنا ابن حسين أوباما (أبو عمامة) في حينه وكأنه واحد منا، مثل واحد من أبناء العالم الثالث، ولا سيما في بلادنا، له اسم من معجم أسمائنا ووجه يشبه وجوه الكثيرين بيننا، ولديه بعض من ثقافة وقسط من تاريخ مشترك معنا، وذاكرة مسكونة بشظف العيش والحس بالتمييز والقهر كذاكرتنا، شاب مفعم بالنوايا الطيبة، والوعود الوارفة وأحلام الفقراء في الثراء والنجاح وتغيير العالم.
صعد إلى قمة القمة وهو لا يتكئ على مجد سلالي أو ركائز مصاهرة عريقة الحسب فائقة الجاه والنسب، بل على موهبة شخصية ومثابرة ونجاحات بدأت من فوق نقطة الصفر بقليل، فكان بذلك مثالاً يتجسد فيه مفهوم العصامية بدلالتها الملموسة، وقدوة يقتدى بها من جانب الضعفاء والمهمشين، فبدا بنجاحه الباهر هذا مدعاة للانبهار والغبطة، وموضعاً لعقد الرهان على إحداث التغيير المنشود.
بدا باراك حسين أوباما كمنتَج إنساني فريد، كونه مزيجا من الثقافتين: الإسلامية والمسيحية، والعرقين: الأبيض والأسود، والعوالم الثلاثة: الأول والثاني والثالث، بين يديه إرث مارتن لوثر كنغ ونيلسون مانديلا والمهاتا غاندي، يده ممدودة إلى الحوار، وقلبه مترع بالبياض، في خطابه لغة تصالحية مع العالم الإسلامي، وفي رسالته شبهة يسار وسطي، ودعوة نادرة إلى عالم خالٍ من الأسلحة النووية.
ألم يتهمه غلاة اليمين الإسرائيلي المتطرف عبر سيل جارف من المداخلات، غداة دعوته إلى حل النزاع ووقف الاستيطان وإنهاء الاحتلال الذي بدأ العام 1967، أنه عدو إسرائيل الأول، صانع الكارثة اليهودية الجديدة، عميل منظمة التحرير الفلسطينية، مسلم متعصب لديه نزعة إرهابية، شخص هامشي في التاريخ الأميركي، ينبغي التعامل معه كما تتعامل الزوجة الشابة مع زوجها العجوز.
هذا هو باراك حسين أوباما الذي خرج ولم يعد، كأنه خرج من بيته وجلده معاً، تنكر لنفسه ولفطرته الأولى سواء بسواء، حطم صورته الأولى وهو يستجدي الصوت اليهودي لإعادة انتخابه من جديد، وخذل الأكاديمية الملكية السويدية التي لم تمنحه جائزة نوبل لقاء سلام أسداه إلى العالم، وإنما تشجيعاً له على البر بوعوده وتحقيق مثل هذا الحلم النبيل للناس، الناس كافة.
وأحسب أن هذا الفتى الاستثنائي بكل المعايير، قد فقد الآن سحره، بهت بريقه وأضاع دليل قلبه في غمرة الحسابات الذاتية والتحسبات الانتخابية، بعد أن قامت المؤسسة الأميركية (الاستابلشمنت) بإعادة إنتاجه من جديد وفق المواصفات المعتمدة لديها بدقة وصرامة، رئيساً عابراً في زمن عابر، بلا بصمة شخصية، ولا مكانة تاريخية فريدة، بعد أن أدخلته متاهة الاستطلاعات والتوازنات واللوبيات، ثم ردته على أعقابه إلى ذات السياق الاعتيادي القديم.

issa.alshuibi@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018