عن التعديلات الدستورية في مصر

نجحت التعديلات الدستورية التي اقترحها الرئيس حسني مبارك، وبنسبة هي 77% من الذين انتفضوا لإسقاطه وأسقطوه. ربما هذه مفارقة مؤرقة، لكنها حدثت. ولأنها حدثت لا بد من البحث في هذا الانقلاب "الديمقراطي" على الثورة.

فرغم أن الشعب طالب بدستور جديد، وأصرّت قيادة الشباب ومعظم الأحزاب على ذلك، فقد أصرّ المجلس العسكري على "الانتقال الدستوري للشرعية". ورغم أنه أوقف العمل بالدستور، فقد أصرّ على تشكيل لجنة لتعديل الدستور، وحدّد لها المواد المراد تعديلها، وهي ذاتها التي طلب حسني مبارك تعديلها، ورغم أن المجلس العسكري كان قد التزم في بياناته الأولى بالشرعية التي أوجدتها الثورة. مع الإشارة إلى أن المواد المراد تعديلها كلها شكلية، وتتعلق بشخصية المرشح للرئاسة وطريقة ترشيحه فقط من دون أن تمس الصلاحيات الشاملة التي يتمتع بها.

هذا يطرح السؤال حول السبب الذي يفرض هذا المسار "الدستوري". لكن لا بد من ملاحظة أن طريقة انتقال السلطة إلى المجلس العسكري لم تكن دستورية. ورغم أن قيادات الشباب وأحزاب المعارضة تهرب من تناول هذه المسألة خوفاً من عودة رئيس خلع في الشارع عبر الباب الدستوري، فإن إعلان عمر سليمان تخلي الرئيس وتكليف المجلس العسكري، هو إعلان ليس دستورياً، ولقد جرى مثيله في تونس وأصدرت المحكمة الدستورية قراراً بلادستوريته، ودستور مصر مشابه في هذه المسألة. والأدهى أن الرئيس يقرر التخلي، ثم بعد أن يعلن تخليه يكلف المجلس العسكري بإدارة شؤون الدولة. بمعنى أن المجلس العسكري ذاته ليس دستورياً بالمعنى القديم للدستور، وفي حال إعادة العمل بالدستور يمكن رفع قضية أمام المحكمة الدستورية لتقرير لادستورية كل ما قام به، وبدوره.

بالتالي، إذا كان الانتقال غير دستوري، لماذا يجري التمسك بتعديل الدستور فقط؟

ربما فرح كثر من الذين شاركوا في التصويت بالحرية التامة لمشاركتهم، لكن ستظهر النتائج سريعاً. ورغم أن المجلس العسكري قد تنازل لقيادات الثورة عن عدد من المسائل التي أصروا على تحقيقها، وآخرها تعيين رئيس وزراء من اختيارهم، فقد أصرّ على تعديل جزئي للدستور، وعلى انتخابات سريعة لمجلسي الشعب والشورى، تحت شعار أنه لا يريد البقاء في السلطة.

ماذا يعني ذلك؟

ربما أوضحت مواقف القوى طبيعة الاصطفاف الجديد، حيث وقفت حركة الإخوان المسلمين والجماعات السلفية والحزب الوطني في طرف تأييد التعديلات، في مواجهة قوى الثورة وباقي أحزاب المعارضة. هذا الاصطفاف لم يكن صدفة، وهو يشير إلى طبيعة الشكل الجديد للسلطة. فالتعديل جرى تحت ضغط خطاب أيديولوجي أصولي، وفي وضع تخويف إعلامي و"قانوني"، ودعاية شديدة تخوف من عدم الاستقرار، وبالتالي جرى تحت ضغط الآلة القديمة التي صنعتها الدولة ذاتها. وكان ذلك طبيعياً نتيجة قصر الفترة التي أعطيت لانفراز القوى على الأرض وتبلور قوى الثورة، وأيضاً تجاوز أساليب التجييش القديمة. لكن كان هذا السير "الدستوري" يهدف بالضبط إلى التسريع في الوصول إلى الانتخابات قبل تبلور القوى، وبالتالي الوصول إلى برلمان لا يخرج عن التركيبة القائمة، لكن بإدخال قوة جديدة تحقق إنعاش السلطة، أو توهم بتشكل سلطة جديدة. وبالتالي، ليبدو أن الثورة قد أوصلت الإخوان المسلمين إلى السلطة، رغم أن ذلك يتحقق عبر "صفقة" بدأت منذ بداية الانتفاضة، وها هي تتحقق الآن في الواقع.

إذن، لا شك في أن هذا "اللعب" الدستوري من سلطة غير دستورية هو الطريق إلى إعادة إنتاج السلطة القديمة بـ"حلة جديدة". وهنا يتحقق الفرز في قوى الانتفاضة، ويعود الإخوان إلى موقعهم "الطبيعي" في سلطة ليبرالية مفرطة وتابعة. وهو الوضع الذي كان يمكن أن يتحقق في ظل رئاسة حسني مبارك، وكان هدف الثورة تحقيق ما هو أبعد منه.

في كل الأحوال لا يحل كل ذلك الأزمة العميقة التي حركت هذا الشعب، وهو الأمر الذي فرض على المجلس العسكري الميل لإصدار مرسوم يحرّم الإضرابات وكل أشكال الاحتجاج التي تقوم بها الطبقات الشعبية، أي أنه بدأ سياسة قمع الطبقات الشعبية لمصلحة سلطة الليبرالية. ويعمل على إصدار قانون للأحزاب معدل جزئياً عما هو قائم.

المجلس العسكري يقول الآن: انتهت الثورة يا شباب.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018