التقنيات الحديثة والتشكيل الاجتماعي والثقافي المصاحب

إبراهيم غرايبة

ثمة سلسلة من الاتجاهات في التكنولوجيا تحتاج إلى توقف طويل وملاحظة دورها في تشكيل المجتمعات والثقافة.. والوعي والإيمان أيضا. ومن ذلك: الحوسبة، والتشبيك، والتصغير، والأنسنة.

فقيام الحاسوب بكثير من الأعمال التي كان يؤديها الإنسان، في الإدارة المالية والعامة والتخطيط والتصميم والترجمة والتحليل، ينشئ أعمالا جديدة ويلغي أخرى كثيرة، ويغير جذريا في التعليم والتدريب والمؤهلات. فما كان يؤديه الموظفون والإداريون أصبح يؤديه الحاسوب بكفاءة عالية، وسرعة هائلة، وتكلفة منخفضة. وهذا التحول في التقنية من محاكاة الجسد إلى محاكاة العقل، غيّر في أهمية العلوم وفي تركيب المجتمعات، فقد زادت أهمية اللغة والإحصاء والفلسفة والعلوم الإنسانية والتفكير وعلم النفس، وأصبح أيضا بمقدور المرأة المشاركة الاقتصادية والتقنية الواسعة، الأمر الذي يغير في النظام الأسري والاجتماعي الذي استقر لآلاف السنين، لتتحول العلاقة بين الرجل والمرأة إلى شراكة وندية، بل وربما يعود المجتمع الأمومي أو الذي تقوده النساء. ففي غلبة النساء في التعليم والمهن، وفي سقوط الحواجز التي كانت تعوق مشاركة المرأة، تتغير أيضا المفاهيم والأدوار، وتتغير كذلك القوانين والتشريعات القانونية والدينية المنظمة والموجهة للأسرة. سوف تكون هذه المقولة موضع جدل، ولكن لنلاحظ على سبيل المثال كيف أدت الآلات الزراعية إلى تحرير العبيد، ثم إنشاء ثقافة تحريمية للرق.

وبالقدرة على نقل البيانات والمعلومات والمعرفة وتبادلها وإنشائها عبر شبكات الاتصال، أمكن إنشاء قطاع هائل وواسع من الموارد والعلاقات والأعمال. وثمة شركات تجني البلايين وأخرى كبيرة ومتوسطة وصغيرة، قائمةعلى الشبكية اليوم. المثال الواضح بالطبع "غوغل" و"ياهو" و"فيسبوك"، ولكنّ هناك عالما جديدا من الأعمال والموارد يقدر بالتريليونات لم يكن قائما قبل التسعينيات، وأنشأ ذلك فرصا هائلة للعمل عن بعد والعمل في المنازل، وغيّر في تصميم المباني والشركات ومواقعها في المدن والدول. الرد على مكالمات الفنادق والشركات في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، تؤديه فتيات في الهند والفليبين، والحجز لشركات الطيران تؤديه ربات منازل حول العالم. وأنشأ ذلك أيضا منظومة من المبادئ القانونية والأخلاقية الجديدة؛ صعود الملكية الفكرية، ونشوء جيل جديد من حقوق الإنسان، وهيمنة القوانين الدولية لتنظيم شؤون محلية ووطنية، ونشوء ما يمكن تسميته بمجتمعات واقتصاد الثقة.

وبأنسنة التقنية، بمعنى قدرة الإنسان على التعامل معها مهما كان مستواه التعليمي -الأميون على سبيل المثال يمكنهم اليوم التعامل مع الحاسوب والإنترنت- تتحول التقنيات مع تطور محاكاتها للإنسان إلى كائنات قريبة من الإنسان، وكلما أمكن ترميز قدرات الإنسان يتطور الحاسوب، فهو قائم اليوم على القدرة على ترميز النصوص والصور والأصوات، أي تحويلها إلى أرقام (صفر وواحد). لنتخيل عندما ترمز الأفكار والمشاعر والروائح، والأشياء المادية نفسها.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018