أنهم يُخفُون الأسماء

د.حسين محادين

يقول عالم النفس النمساوي فرويد إن السنوات الست الأولى من حياة الإنسان هي التي تشكل شخصيته ومواقفه اللاحقة عندما يكبر؛ سواء من ذاته او إزاء الآخرين، وهذا ما يعُرف بخبرات الطفولة لدى كل منا عموما. ولهذا يستحضر الشباب الذكور بعد أن يكبروا، كم هي الجهود التي كانوا يبذلونها للحيلولة دون معرفة زملائهم في المدرسة لاسماء أمهاتهم، وتحديدا عندما تطلب إدارة المدرسة شهادات ميلاد كل منهم خصوصا قبيل تقديمهم لامتحان "المترك"، أي الامتحان الرئيس قبل انتقال هؤلاء الطلبة للمرحلة الثانوية في ذلك الوقت، إذ لم يكن حينها دفتر العائلة المعروف حاليا قد ظهر بعد.

إن مبرر هذا الإخفاء لاسم أم أي منا كسلوك متعلم أنه كان جزءا من انماط التنشئة والثقافة الاجتماعية السائدة بذلك الوقت، مثلما كان يمثل فعلا وقائيا للحيلولة دون تقافز اسمها على ألسنة الزملاء وهم ينادوننا بابن فلانة، فاسمها عورة كجزء من الثقافة التي كانت تسود بنظر المدافعين عن معرفة اسم الأم، مثلما أن المناداة باسمها تمثل إيغالا في إضعاف مكانة وحضور الطالب المنادى باسم أمه من قِبل أقرانه في المدرسة والحارة غالبا.

أما هذه الأيام فيبدو أن ممارسة السعي لإخفاء الأسماء من قِبل البعض مستمرة مع تغيير طفيف في مظهرها، إذ نلاحظ عند قراءتنا بعض الأخبار وتحديدا في بعض تصريحات المسؤولين ترد عبارة " ..وصرح مصدر مسؤول رفض ذكر اسمه..". ونقرأ في صحفنا أيضا "ألقت أجهزة الأمن المختصة على كل من أ.د .و عوضا عن ذكر أسماء هؤلاء اللصوص أو المجرمين كونهم قد خالفوا إرادة المجتمع وقوانينه ولا نعرف علميا للآن مبررات هذه الاخفاءات.

ولعل السعي لإخفاء الاسم لا يختلف كثيرا لدى بعض الموظفين العاملين في الوزارات الخدمية، فعندما يهاتف أحدنا قسم الطوارئ في إحدى الدوائر ويستأذن المناوب بمعرفة اسمه يرفض هذا الموظف إعطاء اسمه للسائل عادة. كما نلاحظ أن عددا غير قليل من موظفي البنوك والشركات ورغم حملهم "باجة اسمه" الا أنه يحشرها في جيبه عبر الهاتف او القميص او الجاكيت إخفاء لاسمه عن عيون المراجعين كطالبي خدمة، وكذا الحال مع جل سائقي التكسي والسرفيس في بلدنا.

إن إظهار اسم مقدم الخدمة سواء لدى موظفي الكاونتر والعيادات ..الخ إنما هو متطلب اساس من شروط "جودة الخدمة" في الوزارات والمؤسسات أردنيا وعالميا ومع هذا ما يزال جلنا يصر على إخفاء اسمه كموظف يقوم على خدمة طالبي الخدمة.

من الواضح أن خبرات الطفولة الشخصية السلبية أصلا لدى هؤلاء المخفين أسماءهم في أماكن عملهم قد أثرت حتى على المعايير الادائية المؤسسية في مجتمعنا الحديث من جهة، مثلما حرموا المستفيد من الخدمة أي "الزبون"، لاقتناعهم بأنهم يقدمون خدماتهم وفقا للقانون الذي يجعل المراجعين على قدم المساواة من دون تحيز جهوي أو قرابي يخدم فلانا الاقرب للموظف ويحرم فلانا من حقه في الخدمة أو من حقه في تقديم شكوى لإدارة الموظف الذي يخالف النظام والمساواة بين الزبائن، ولكن شريطة معرفة اسم هذا الموظف من لسانه او من على باجته المقروءة بوضوح. فهل نحن عاملون.

لا ندري علميا للآن مبرر كل تلك الاخفاءات الفردية والمؤسسية المنتشرة، ونحن أعضاء في عالم قرية لم تصمد فيه الكثير من الممنوعات السلوكية لسياسيين ودول هذا العالم كبيرها وصغيرها، وما الزلازل التي أحدثتها للآن وثائق ويكيليكس المسربة للرأي العام الكوني بعيدة.

husain.mahadeen@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018