فيروز مرة أخرى

ياسر أبو هلالة

قال لي كاتب إسلامي بارز إنه يتفق معي في ما ذهبت إليه في مقالي "فيروز وفتاوى الغناء"، وإن كان يقوله في المجالس إلا أنه لا يجرؤ على كتابته، فمزاج المتدينين صعب، والاشتباك معهم مكلف. وحال أكثرية الفقهاء والكتاب والنشطاء تنطبق عليها مقولة إدوارد سعيد "التضامن قبل النقد هو نهاية النقد".

والمسألة ليست هوسا بفن فيروز، بقدر ما هي محاولة لكسر جدار الصمت في المجتمعات العربية والإسلامية التي لا تقيم وزنا للفن أي فن وتضعه على هامش الحياة. والإسلاميون جزء من هذه المجتمعات، وبوصفهم طليعة سياسية متقدمة فإن آراءهم تؤثر في العامة وقد تدفعهم للأمام وقد تشدهم للوراء.

من خلال الردود على المقال يمكن رصد الموقف المزدري للفنون، فهي لا تحرر فلسطين ولا تساوي دماء الشهداء، يسأل قارئ "هل فيروز تساوي دماء الشهداء الأبرار؟" ويعيدنا آخر إلى التاريخ "يخطئ من ظن يوما أن الأغاني الثورية يمكن أن تستنهض الثورات والجماهير أو حتى أن تحرك أحدا عن سريره ولنا في حرب 67 عبرة".

طبعا لا أعتقد أن حل الصراع العربي الإسرائيلي بالاستماع إلى أغاني فيروز، ولكن لا أقلل من أهميتها في هذا الصراع. ويحضرني هنا ما قاله لي وزير الإعلام طالب الرفاعي في أيام انتفاضة الأقصى، إذ طلب من التلفزيون الأردني أيامها بث أغنية فيروز التي تبشر بـ"الغضب الساطع"، وما أن بثت حتى جاء اتصال من مسؤول أمني رفيع وقتها يطلب التوقف عن بث الأغنية التي تهدد العلاقات الأردنية الإسرائيلية. ومن يومها لا تُبث الأغنية التي تمجد نهر الأردن الذي سيمحو "آثار القدم الهمجية".

لست مفتيا، ولا وزير خارجية، ولا قائد فصيل مقاومة. ما أنا إلا كاتب أحاول أن أقوم بدوري النقدي في مجتمعي. فازدراء الفن لا يبدأ بفتوى ولا بقرار مسؤول حكومي، يبدأ من المدرسة. هل تذكرون حصص الفن؟ هل أمسك طالب من الملايين الذين تخرجوا في مدارسنا آلة موسيقية؟ هل أمسك ريشة؟ حصة الفن كانت حشوا لا قيمة له. ومن حسن حظي أنه في كلية الحسين صادف أن درسني الفنان عبدالرؤوف شمعون، وفي حصص الفن المحدودة أخذنا لمحة سريعة عن المدارس الفنية وأساليب الرسم، لكن بحياتي لم أدخل مرسما للتعليم، وحالي من حال ملايين من خريجي المدارس الحكومية.

لا يمكن أن تنهض الأمة، من دون أن تقدر الفن، والفن ليس طائرة إف 16 تقصف العدا، لكن من دون فن لا يمكن صناعة طائرة.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018