محاربة الفساد للتصدي للتحديات

هل يمكن القول إن الضغوط المجتمعية تدفع المسؤولين للاكتراث أكثر من أي وقت مضى للتصدي لمظاهر الفساد التي تجلت في سنوات مضت؟ يقينا بأن التحرك نحو ارضاء مطالب الناس بشفافية ومساءلة أكبر يمكن أن يساعد على مواجهة حكومية أفضل لتحديات مرحلة اقتصادية صعبة تتجلى بواقع حال خزينة الدولة.

ولا شك أن تحرك الأجهزة الرقابية الثلاثة؛ ديوان المحاسبة وهيئة مكافحة الفساد وديوان المظالم للتنسيق بينها لكشف التلاعب بالمال العام، خطوة تنسجم مع مرحلة يصعب فيها الحديث عن ضرورات شد الأحزمة من دون التصدي لأوجه هدر وفساد تعمق واقعاً اقتصادياً مراً وصعباً.

وليس مستغربا إغفال حكومات متعاقبة عن الأشكال الكثيرة للفساد الإداري التي تفشت في حقبة كانت تتدفق فيها علينا المساعدات وتتضاعف الإيرادات، حتى جاءت الأزمة الاقتصادية ليصبح صعبا التغاضي عنها.

وربما أدى تفعيل أدوار الرقابة الحكومية إلى وضع حد لتضارب المهام وازدواجية المؤسسات المشابهة في الأدوار، والتي جاءت مع فلتان تعيينات الترضية والمحاباة في مؤسسات عامة تكون فيها المناصب مغلقة في نحو يعمق إحساس الإقصاء والتهميش، والتي خلقت أوجها كثيرة من الاحتقان الاجتماعي. وليس العنف المجتمعي الذي نراه اليوم إلا إحدى صورها الفاضحة.

وفي وقت تتدارس فيه الحكومة كيف تقدم على خطوات أكبر لتخفيض الانفاق ولزيادة إيراداتها لمواجهة متطلبات الخزينة فإن أي خطوات تعزز من إحساس المواطن، بأن لا أحد فوق القانون سيمنحها قدرة أكبر لتمرير جرعات مطلوبة من الإجراءات أغلبها لن يحظى برضى شعبي، لكن لا مفر منها للتخفيف عن كاهل الدولة في تحمل الأعباء المتنامية.

ولا يمكن أن تحسد أي حكومة كالحكومة الحالية، وهي تجد نفسها مضطرة للتصدي لإرث سنوات كان التمدد الحكومي في جوانب عدة منه خدميا ومنفعيا، ندفع ثمنه اليوم في هذا الهدر الكبير الذي اطاح بموارد الدولة التي كان يمكن أن توظف بشكل أفضل.

لا خيار في هكذا ظروف من تفعيل دور أجهزة الرقابة الحكومية ومنحها الحصانة الإدارية في إطار فصل السلطات حتى لا تتحول مفردات المساءلة والشفافية والحاكمية الرشيدة إلى شعار تتغنى فيه الحكومات، وكانت سببا في فقدان الثقة المجتمعية بمصداقية حكومات متعاقبة بإرساء أسس إدارة نزيهة تقضي على منابع الفساد، عندما تضع الشخص المناسب في المكان المناسب بعيدا عن سياسات المحاصصة والجهوية.

كما أن التصدي للفساد البيروقراطي لا يقف فقط عند حد اختلاسات هنا وهناك، أو إساءة استغلال المنصب العام بل إلى علانية وشفافية طرح العطاءات الحكومية، وفتح العروض التي تمكن الخزينة من توفير كل قرش.

فيجب أن لا يغيب عن أعين الحكومة أن صون المال العام هو الوحيد الكفيل بتخفيض عبء المديونية وعجز الموازنة، والأهم من ذلك تعزيز الثقة بمؤسسات تضررت من جراء تلك الانطباعات التي لا تتولد من فراغ وتفشي مظاهر سوء استغلال السلطة، إلى جانب التوسع في خلق المؤسسات المفيد منها وغير المفيد لتكون مرتعا لسياسات ترضية تستنزف موارد أولى أن تصب في النهوض بتعليمنا ومستشفياتنا.

الحقيقة المؤلمة أن الفساد ليس فقط بابا للثراء غير المشروع لكنه أكثر من ذلك بكثير؛ لأنه يعني حرمان الآخرين من حقوقهم على الدولة ويبقينا في دائرة الحاجة إلى المساعدات والارتهان للديون إلى ما لا نهاية!

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018