النقاب في فرنسا و"مكافحة الإرهاب"

مراد بطل الشيشاني


في تصريحه، لصحيفة لو فيجارو، رأى اندريه جيرآن النائب الشيوعي، ورئيس اللجنة البرلمانية المكلفة بإعداد تقرير حول حظر النقاب في فرنسا، بأن النقاب سيحظر في الأماكن العامة في فرنسا، وأشار إلى أن "معظم أعضاء اللجنة التي يرأسها يؤيدون فكرة إصدار قانون يمنع النقاب".

هذا الإجراء إذا تم، سيكون إلى جانب استفتاء "المآذن" في سويسرا، تعبيرا عن وضع حال التوتر بين الغرب والإسلام، بكل ما في هذا التوتر من عناصر كـ"الإرهاب"، والتطرف، والإسلاموفوبيا، في إطار قانوني، لا سياسي-اجتماعي، وهو الأمر الذي له تداعيات سلبية، خاصة فيما يتعلق بموضوع دمج المسلمين في الغرب، وأيضاً في مكافحة "الإرهاب" والتطرف، والذي يعد من الملفات الأساسية في الاتحاد الأوروبي، بدليل التقرير السنوي الذي ينشره "اليوروبول" (البوليس الأوروبي) حول أنماط "الإرهاب" والتهديد الذي تواجهه أوروبا منه.

التأثير السلبي هذا يبرز في مستويين أساسيين، أولهما في تضخيم الظاهرة، سواء النقاب في فرنسا بحد ذاته، أو حظره بالمقابل، وثانيهما يرتبط بمدى دقة الرابط بين التطرف والإرهاب من جهة والمظاهر الدينية الثقافية من جهة أخرى، فمعظم التحركات الأخيرة بهذا الصدد تقوم على هذا الربط المفترض. وأما على المستوى الأول فيلاحظ أن الاحصائيات تشير إلى أن اللواتي يرتدين النقاب في فرنسا لا يتجاوزن ألفي إمراة، وفقاً للأرقام الرسمية، بينما يقدر عدد المسلمين في فرنسا بستة ملايين نسمة ويشكلون 10 % من السكان، بمعنى أن ظاهرة النقاب، إن جاز وصفها بالظاهرة، هامشية في المجتمع، شأنه شأن "المآذن" في سويسرا لمسلمين غير ظاهرين لا عددياً ولا حركياً.

ذلك يثير تساؤلات عن جدوى وضع التوتر المذكور أعلاه في أطر قانونية، فمثل هذه التحركات (منع النقاب، منع الطعام الحلال، حظر المآذن...الخ)، وإن كانت هامشية، صداها والجدل الذي تثيره كبير ومؤثر، سواء عبر تلك الأصوات المقبلة من العالم الإسلامي، وفي معظمها تتناول الموضوعات الشبيهة بنفس تثويري تحريضي، أو عبر، وهو الأهم، المساهمة في زيادة النزوع الراديكالي بين أوساط الشبان المسلمين في الغرب، وتبنيهم للإيديولوجية السلفية-الجهادية.

معظم الدراسات، التي درست خطابات القاعدة، والسلفيين-الجهاديين، تشير إلى أن جاذبية خطابات القاعدة تكمن في نمط "السرد" Narratives الذي تتبناه أكثر من الخطاب الإيديولوجي الفقهي، وهو ما يتميز ببساطته، وبالتالي فإن القضايا الشبيهة ستكون مصدراً أساسياً لـ "تأكيد الصراع بين الغرب والأمة الإسلامية"، وبالتالي مصدر جذب أكثر للشبان المسلمين الغاضبين في الغرب للإيديولوجية السلفية-الجهادية.

وذلك يقود، مباشرةً، للحديث عن التداعي السلبي الثاني، المرتبط بالإجراءات الشبيهة بمنع النقاب في أوروبا، بمنطلق الربط التلقائي، والساذج أحياناً، بينها وبين التطرف والإرهاب من جهة، ومن خلال التعامل مع المظاهر الدينية-الثقافية كتلك في الغرب، وكأنها وافدة من الخارج، فهي وإن كانت غريبة بالفعل عن الثقافة الأوروبية، وحتى عن ثقافة بعض المجتمعات المسلمة أيضاً، إلا أن المنقبات، في الحالة الأوروبية، في معظمهن، من الأوروبيين المسلمين، بمعنى أنهن مسلمات من بنات الجيل الثاني أو الثالث من المهاجرين.

بالطبع هناك شبان متدينون، ويطيلون لحاهم، وهم أوروبيو النشأة، ولمن يزور باريس مثلاً، وأعتقد أن الحال شبيه في مدن أوروبية أخرى، أن يلتقي بأحد من ذوي الأصول المغاربية مثلاً ويحاول الحديث معه باللغة العربية، ليدرك بأنه لا يتحدث إلا الفرنسية، والحال كذلك بالنسبة لأبناء الجيل الثاني أو الثالث من البريطانيين المسلمين واللغة الانجليزية.

بكلمات أخرى، الإسلام الأوروبي بات معبراً عن التعدد في التفسيرات بين التشدد والاعتدال شأنه شأن الظاهرة الإسلامية في أي مكان، ما يؤشر أن قبول فكرة وجود "إسلام أوروبي"، من قبل الحكومات الأوروبية ومن قبل المسلمين ذاتهم، يعد الخطوة الأولى لبحث آليات الاندماج، ومكافحة التطرف والإرهاب.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018