مناقشات القرّاء

جميل النمري

من نعم الشبكة العنكبوتية أنها وسعت ميدان النقاش بما يفوق الخيال، فعدد لا يحصى من الأفراد يقولون آراءهم ويعلقون فوريا على آراء الآخرين عبر عدد لا يحصى من المواقع الشخصية والعامّة والإعلامية.

خلال الثورة الثقافية الصينية اخترع الطلبة في جامعة بكين "حائط الديمقراطية" وهو تحرير وتوسيع لما يطلق عليه مجلة الحائط، فهو من دون إدارة أو رئاسة تحرير ويعلق عليه من شاء بما يشاء من الأفكار أو الردود. الآن لدينا ما لم يكن ليدور في خلد هؤلاء الطلبة مهما شطح خيالهم؛ إنه حائط كوني ممثلا بمواقع مثل الفيس بوك والتويتر وغيرها.

في الجو المحلي أصبحت التعليقات والحوار بين القراء في المواقع الإلكترونية مرآة غير مسبوقة للرأي العام وتوفر هذه الوسيلة يضاعف من مكانة ما يطلق عليه "الرأي العام" وتأثيره على مواقع القرار. طبعاً المواقع الإلكترونية المحلية متهمة بالإثارة والافتعال لزيادة حجم القرّاء وعدد التعليقات، بما في ذلك افتعال الاستفزاز الذي يورث الفتن، ومتهمة بالانحدار بالذوق العام بإتاحة التعليقات الهابطة والشخصية، إلا أن هذه من الآثار الجانبية على هامش المكسب الهائل بإشراك العموم في الحوار وإبداء الرأي والتعليق بصورة فورية ومع توسع الإنترنت سوف تتزايد مكانة الرأي العام في السياسة العامّة واليومية.

بالنسبة للصحف اليومية كانت حصّة القارئ، كل القرّاء، أربعة أو خمسة تعليقات يومية على كل ما جاء في الجريدة. هذا إذا كان في الجريدة أصلاً زاوية لتعليقات القراء. أمّا اليوم فإن كل خبر أو تقرير أو مقال أو رسم على موقع الجريدة الإلكتروني، يتاح لأي عدد مهما كان من القراء التعليق عليه وبصورة حرّة، طالما احترم التعليق حدود اللياقة. وبالنسبة لكتاب المقالات، فإنها من نعم النت أن يتاح لك الحصول فوريا على ردود فعل وآراء القرّاء، وهناك الضيوف الدائمون، وهم قرّاء نهمون ومعلقون مثابرون على ما أكتبه ويكتبه زملاء آخرون. وأنتهز الفرصة لأقدر لهم إثراءهم الثمين للحوار، الذي يدعم معنويات الكاتب بصرف النظر أكان التعليق اتفاقا أم اختلافا.

طبعا هناك التعليقات التعبوية، التي تنطلق من موقف مسبق لدعم الاتجاه الذي يمثلونه، وهذا عمل مشروع، يبرع به أنصار حماس والإخوان، على وجه الخصوص، وفي العادة فالحكومة هي أكثر طرف لا بواكي له، فكلما اشتدت لهجة النقد لها زاد الاستحسان، وقلما يتطوع أحد للدفاع عنها، مع ذلك أمتنع عن هذا الإغراء إلا بقدر ما أشعر أن الأمر يستحق فعلا وموضوعيا هذا النقد، فثقافتنا العاّمّة مشبعة بالشكونة وتعليق المشكلة دائما على مشجب آخر، بينما العلّة في كل واحد منّا ابتداء بالسلوك وراء مقود السيارة.

ومن التعليقات الإيجابية سعدت بصورة استثنائية قبل يومين بالتعليقات على موضوع الفتى الصمادي. فبالرغم من أن أغلبية الكتابات حملت على الأميركيين، ودافعت عنه بسبب المصيدة التي نصبت له بإعطائه سيارة ملغومة توهيما كأسلوب غير أخلاقي (ويبدو أن القوانين الأميركية تقرّه كأسلوب للإمساك بفرد لديه النيّة والعزم على ارتكاب جرم ما)، فالتعليقات كانت ناضجة وموضوعية، ولاحظت الجانب الآخر من القضيّة، الكارثة الذي يجب التمعن فيه وهو أن شابا أردنيا قبلته تلك البلاد وحصل على إقامة ومدرسة وعمل ينزلق إلى تطرف أعمى لدرجة الاستعداد لتفجير برج في مدينة يعيش فيها آلاف العرب والأردنيين.

jamil.nimri@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018