هل "انتقم" النواب من الإعلام؟!

محمد أبو رمان

ليس من حق النواب تقزيم التشريعات الاعلامية والقوانين لتصبح "أداة ثأرية" أو السير في الاتجاه المعاكس لوظيفتهم التشريعية التي تكفل حماية المصالح

ثمة إجماع بين أغلب المراقبين أنّ "الروح الانتقامية" من الإعلام، لا المسؤولية التشريعية الأدبية، هي التي سادت أجواء جلسة النواب بأمس، والتي رُدّ فيها مشروع القانون المعدل لقانون الثقافة، فأُبقي على ضريبة الـ(5%) على الإعلام، بالرغم من مناشدة قلة منهم الالتفات إلى الآثار الاجتماعية والاقتصادية السلبية الكبيرة المترتبة على هذه الضريبة.

الجلسة عكست، بامتياز، الاحتقان الشديد من "أغلبية النواب" على الإعلام، وهي حالة أصبحنا نلحظها بوضوح خلال الفترة الأخيرة، وكأنّ المجلس يريد "تصدير أزمته الداخلية" ويعلّق "الصورة المتدهورة" التي وصل إليها على مشجب الإعلام، وكذلك على مركز الدراسات الاستراتيجية، الذي ناله نصيب وافر من "الغضبة النيابية"، بسبب استطلاعه الأخير.

مشكلة "السادة النواب" أنّهم لم يتيقنوا بعد أنّ الانحدار الكبير في شعبيتهم، لم يصنعه الإعلام، أو الحكومة، أو حتى يفبركه مركز الدراسات الاستراتيجية، فهو يعكس المزاج الشعبي ورؤية نخبة الرأي، بل هنالك مئات المقالات والتعليقات، التي لا ترى النور حول المجلس، لأنّها تخالف قانون المطبوعات والنشر!

المشكلة ليست في "أعيان" النواب، وتربطنا صداقة بعدد كبير منهم، وهنالك نخبة جيّدة بلا شك، إنّما في الظروف السياسية "الاستثنائية"، التي جاءت بهذا المجلس، وضغوط "صراع مراكز القوى" التي شكّلت "مظلاّت الوصاية" عليه، إذ حكمت عمله خلال السنتين الماضيتين، ورسمت الانطباع العام عنه، وهو انطباع سلبي مضرّ بهيبته ومكانته الدستورية بصورة كبيرة.

ليس الإعلام من قال إنّ الانتخابات النيابية كانت الأسوأ في تاريخ الأردن، وإنّه قد شابتها خروقات كبيرة، بل تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان، وهو جهة رسمية مخولة بمراقبة الانتخابات. ولم يكن استطلاع الرأي الأخير إلاّ تأكيداً لنتائج استطلاعات الرأي خلال السنوات السابقة، ويمثل تعبيراً عن رأي نخبة قادة الرأي العام، بصورة علمية موثقة ومدروسة، وقد رأت أغلبيتها ضرورة حل مجلس النواب، وإجراء انتخابات نيابية مبكرة.

ليس هناك من يحرّك الإعلام ضد المجلس، ولا مصلحة لأي جهة رسمية في ذلك، إلاّ إذا أثبت النواب الأكارم العكس. بل إنّ جهات رسمية عملت، خلال المرحلة السابقة، على "تحصين" مجلس النواب حتى من النقد الإعلامي، وضغطت باتجاه ضمان وجود "كتلة أغلبية" مؤيدة للحكومة، واستثمرت هي غياب "المناعة النيابية" تجاه السلطة التنفيذية.

ما نقوله اليوم إنّ صفحة تلك المرحلة، التي جاءت بهذا المجلس، قد طويت. ولحماية مجلس النواب وهيبته الدستورية ومكانته لدى الرأي العام فإنّ المزاج الوطني العام يدفع باتجاه إجراء انتخابات نيابية مبكّرة تأتي بمجلس جديد من خلال عملية انتخابية نزيهة، وبقانون انتخاب يسمح بمنح المجلس طابعاً سياسياً، وهو ما يصعب الوصول إليه مع المجلس الحالي.

هذا لا يعني، في المقابل، أنّ الإعلام لا يخطئ أو أنّه بريء دوماً. لا يمكن قول ذلك، لكن الإعلام متنوع ومتعدد، ولدينا رأي عام على درجة من الوعي والذكاء، وقادر على التمييز بين الإعلام الناضج وذلك المدمّر الهدّام، أو الذي يمارس الابتزاز ويخدم مصالح خاصة وشخصية.

والحال تختلف بالنسبة لمجلس النواب، فهو سلطة تشريعية رقابية، يضع لنا القوانين ويراقب الحكومة، ويقوم بأصعب وظيفة في الدولة، مؤسساً للإطار التشريعي الذي يحكمنا جميعاً، فمن غير المعقول أن يخضع لعقلية ثأرية انتقامية، وأن نسمع خطاباً نزقاً تجاه الإعلام والكتاب، من العديد من النواب، وهم المؤتمنون على مصالح الأمة والشعب!

بعيداً عن "الأجواء المشحونة" في مجلس النواب، من حق الإعلام أن ينتقد الانتخابات النيابية إذا شابتها الخروقات الكبيرة، ومن حقه أن ينتقد ضعف أداء المجلس التشريعي والرقابي، وأن يرفض كذلك المِنح الحكومية له في غير محلها ولا مكانها، ومن حقه مساءلة النواب باسم الرأي العام والشعب.

على الجهة الآخرى، من حق النواب، بصورة جمعية (باسم الأمانة العامة) أو فردية الردّ على الإعلام، واللجوء إلى القضاء في حالة وجود "ابتزاز" من قبل بعض الإعلاميين، لكن ليس من حقهم تقزيم التشريعات والقوانين لتصبح "أداة ثأرية" أو السير في الاتجاه المعاكس لوظيفتهم التشريعية التي تكفل حماية مصالح الوطن والمواطنين، ولا أن يتحول مجلس النواب إلى "ساحة خلفية" لتصفية صراعات جانبية، حتى بين النواب أنفسهم!

m.aburumman@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018