ملفّ مركز دراسات المرأة بين العام والشخصي

زليخة أبوريشة

أمّا وقد قال القضاءُ قولته، فقد صار لزاماً عليّ أن أفتح ملفَ مركز دراسات المرأة، الذي أنشأته مجموعة متحمسة من الباحثات النسويات عام 1989.. والذي تم القضاء عليه بسبب الكسل البرجوازي، وانعدام الكفاءة والوعي الحضاري بأهمية الفكر النسوي، وبسبب الفَلَس الفكري والأخلاقي الذي عانت منه دورته الأخيرة، قبل أن يلفظَ على يديها - أنفاسَهُ الأخيرة.

 كان مركز دراسات المرأة، وعلى مدى العشرين السنة الأخيرة، هو المركز الأول والوحيد في الأردن المعنيّ بالفكر النسوي، والمعنيّ بالدراسات النسوية. وكان رائداً بكل ما في الكلمة من معنى. فإنّ الخطاب الذي تبناه كان خطاباً عصرياً حداثياً إنسانياً منبثقاً عن روح حقوق الإنسان، وعن روح "إزالة كل أشكالِ التمييزِ ضد النساء"، قبل أن تصبح ميثاقاً دولياً توقع عليها البلدان العربية ومنها الأردن.

 ولأن خطابَه كان كذلك، فإنه كان عليه أن يدفع ثمن هذه الريادةِ والسيرِ في الحقلِ الشائكِ - حقل حقوق المرأة-، من التجاهل الرسمي والتخوّف الشعبي على حد سواء. فلم يكن القطاع الحكومي مستعداً أن يدعمِ منظمةً تتحدث في حقوقِ النساء، بينما الديمقراطيةُ برمتها حديثةُ عهد في الأداء الحكومي. ولم يكن القطاع الخاص ليدعم مركزاً كانت أطروحاته آنذاك توصف بالمتطرفة، لأنها ببساطة تطالب بتمكين المرأة.

 كان ذاك الكلام المبكّر عن المرأة وقدراتها وكرامتها وحقوقها يثيرُ حفيظةَ الذكورِ التقليديين والفكر الذكوري الذي يتلبس رؤوسَ كثير من النساء أيضا - لأسباب تاريخية وثقافية-. ولذا لم يكن ممكناً - في رئاسة الدكتورة أروى العامري، أول رئيس للمركز- الحصولُ على المال ومن ثَمَّ على مقرٍ وسكرتارية ومستلزماتٍ إلا في العام 1996، أي بعد سبعِ سنوات من نضال حقيقي جبار، كانت تَبْذلُ فيه كل عضوة جهوداً مميزة للوقوف على القدمين. وقد وُسّعت رقعةُ العضوية وانضم عضوات وأعضاء من الجامعات والإعلام والمنظمات الدولية والتخصصات المختلفة. كما ضم شخصياتٍ سياسيةً مهمةً تؤازر قضيةَ النساء .. وعدداً من أهل الفكر والأدب والكتابة والقانون.

 قدّم المركز في بداياته المبكرة الدعم لمرشحة البرلمان السيدة توجان فيصل، عام 1989 والتي واجهت آنذاك هجمة شرسة. وكان دعمها على مستويين؛ الاول: الحملة الانتخابية وتأمين لقاءات منظمة لها مع الناخبين والناخبات. والثاني: في القضية التي رُفعت ضدها على خلفية اتهامها بالردة. وقد دعا المركز جميعَ الصحافة المحلية والعربية والعالمية ووكالات الأنباء لحضور الجلسة الأولى في محكمة الوحدات. حيث قامت الصحافة بدورها كقوة ضغط لإنهاء هذه الهجمة. كما هيّأ المركز للقاء مع جلالة المغفور له الملك الحسين، تكوّن من قيادات نسائية وفكرية وقانونية تقدّم احتجاجا على استخدام القضاء لمكائد عقائدية وافتراءات.

 من جهة أخرى، رشّح المركز النحاتة منى السعودي لجائزة الدولة التقديرية ونالتها. كما كان رائداً في طرح قضية "الجندر واللغة" حيث أصدر كتابَ "اللغة الغائبة: نحو لغة غير جنسوية" - من تأليف كاتبة هذه السطور-، وعقد عدداً من الورشات في عددٍ من التخصصات والحقول المختلفة: الجامعات، الإعلام، العمل النسوي، التربية والتعليم، أدب الأطفال، من أجل تنقية اللغة من التحيز ضد المرأة.

 بعد ذلك، لم يعد ممكناً تجاهلُ المركز، إذ وُضع على خريطة العمل النسوي، وصار جزءاً من تحالف نسوي لدعم النساء في الانتخابات القادمة. وشارك في تدريب النساء على الترشيح وقيادة حملاتهن الانتخابية. كما أثبتَ المركز حضوراً على المستوى الإقليمي والدولي فشارك في مؤتمراتٍ واجتماعات دولية، وكان عضواً في لجانٍ تحضيرية. وحضّر لمؤتمر المرأة في بكين. وطالب كلّ الحكومة وجلالة الملك تسليم نساءٍ حقائبَ وزارية. ودعم وصول المرأة في الوزارات الى منصب "أمينة عامة"، مثلما فعل مع مرشحته آنذاك الصيدلانية فلك عنبتاوي التي كُلفت - بدعمه - برئاسة المختبر الدوائي في وزارة الصحة. كما دعم المذكورة في حملتها الانتخابية لمجلس نقابة الصيادلة، ونجحت. وظل المركز مواظبا على المطالبة بكوتا نسائية في البرلمان الاردني.

 وكان أهمَّ إنجاز للمركز هو تأسيسُ وحدة للتوثيق والمعلومات بكلفة سبعين ألف يورو. كما أصبح المركز عضوا في شبكة مراكز نسائية عربية وإيطالية.. وكان على أهبة ازدهار حقيقي... ولكن!

لقد اشتغل المركز فعلا قوةً ضاغطةٍ لتمكينِ المرأة، كما اشتغل على تصحيح المفاهيم الجندرية المتصلة بالمرأة وبلورتها وتنقيتها من التلوث الثقافي القائم على التحيز والتعالي والغبن الذكوري.

 وقد أثمر نضاله - الذي لم يكن وحيداً، وإن كان مميزاً - بطرح رسمي لتمكين النساء، وبعدد من البرلمانيات والوزيرات والأمينات العامّات لعدد من الوزارات، ولم يعد للطروحات التقليدية عن المرأة لتجد لها مكانا آمناً، لا في الخطاب الرسمي ولا في خطاب المجتمع. فحتى حركة الإسلاميين ستجد نفسها أمام طريق مسدود إن لم تسارع إلى ترشيح المرأة ومشاركتها في العمل الحزبي في البرلمان وفي البلديات وأينما كان ذلك ممكناً.

 فكيف قوّض المركز عام 2003؟ وعلى يد مَْن؟

ثمة نساء هن بالبيولوجيا والتشريح إناث، ولكنهن بالقيم والتفكير ذكور. وهؤلاء أعتى خصومةً، وأمعن في الإيذاء. ذلك أنهن يصدرْن عن احتقار عميق لذواتهن كإناث. وعن مفهوم "متدن" لأنفسهن، وعن انعدام أمن متجذر. هؤلاء يقمن بدورٍ مريب في المجتمع باسم النساء ليحافظن - دَرَيْن أو لم يدرين - على مكاسب الذكر وحظوته وارتفاعه على المرأة وعالمها وإنسانيتها. وبينما تظهر هؤلاء كمناضلات عن حقوق المرأة - عموما - يكنّ يقصقصن أجنحة أقرب النساء إليهن، ويطعنّ بنجاحاتهنّ، ولا يوفرن فرصةً للعداء المستمر أو العلني إلا شَنَنّه.

 هؤلاء النساء - الذكور في أثواب امرأة - هنّ اللواتي دمّرن مركز دراسات المرأة. وللحديث بقية.

[email protected] 

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018