إغفال ملف اغتيالات الدبلوماسيين الأردنيين

حول المقال المترجم في الغد عن أبو نضال

      في صحيفة الغد عدد يوم 1/11/2008م مقال لروبرت فيسك مترجم من الانترنت أن  صبري البنا (أبو نضال) تعاون مع الأميركيين والسعوديين والمصريين وأنه نفذ عمليات في عشرين دولة وجرح وقتل (900) مدني وأنه أراد إثبات علاقة ما بين صدام والقاعدة وأنه كان وراء محاولة اغتيال السفير الاسرائيلي في لندن تلك الحجة التي استخدمتها إسرائيل لغزو لبنان.

ملاحظة:

      لم يذكر فيسك عمليات أبو نضال ضد الدبلوماسيين الأردنيين في اثينا وبخارست ومدريد وروما ونيودلهي وأنقرة وبيروت. كانت هناك سلسلة من الاغتيالات للدبلوماسيين الأردنيين وقد استشهد بعضهم وآخرهم نائب المعايطة في لبنان (1994م).

 وبناء على وثائق ومعلومات أقدم ما يلي:

أولاً: توقيت ظهور أبو نضال:

      الغريب أن أبو نضال ظهر في عام 1974م وهو عام مهم بالنسبة لمنظمة التحرير الفلسطينية إذ تخلت عن العنف وبدأ اسمها يظهر في سماء الأمم المتحدة وتمثيل الشعب الفلسطيني بعد مؤتمر الرباط 1974م. وفي منظمته غموض من حيث الأعضاء وعددهم ومن يتعاطف معهم وهم لا يعرفون بعضهم بعضاً... والمنظمة ظاهرياً لها أهداف وعملياً لها توجهات أخرى... وكتب باتريك سيل في كتابه بندقية للإيجار أن أبو نضال باع خدماته للعرب والاسرائيليين على حدا سواء. كان يدرك أن الدول ترتكب الجرائم باسم المصالح القومية وهكذا أصبح ملك العالم السري عالم العصابات في الشرق الأوسط.. وبالنسبة لإسرائيل كما كتب سيل غفرت له ولم تطارده.. وحدثني سياسي عسكري أردني خبير أنه ابونضال جبان جداً وبحاجة لحماية وبحث عنها في إسرائيل وبعض الدول العربية وتوفرت له. وفي مقال جيفري شتاينبرج المنشور في 16/7/2001 في جريدة نيوفدرالست أن الشك يحيط بأبو نضال وأنه عمل لصالح إسرائيل وبريطانيا!! لكن (باتريك سيل) يرجح عمالته لإسرائيل وهذا ما توصل إليه السياسي العسكري الأردني السابق الذكر. وكتب باتريك أنه قتل من الفلسطينيين ما بين آخر (1987) وآخر (1988) (600) شاب فلسطيني في عمر الورود تحت حجج مختلفة وهي العمالة لفتح وإسرائيل والأردن.. الخ.

 وهذا العدد يقارب ما قتلته إسرائيل من الشباب الفلسطيني في الانتفاضة خلال ثلاث سنوات وليس في عام واحد؛ أي أن أبو نضال كان أكثر فتكاً بالشباب الفلسطيني من إسرائيل. ومرة قتل (47) سجيناً بعد أن عجز عن نقلهم فقتلهم دون استجواب. وكانت الساحة اللبنانية هي ميدان مجازره وعلى ارضها سقط شهداء فلسطينون برصاصه وكان الذي ينفذ عمليات القتل أربعة أشخاص (يرتبطون بصلة مصاهرة معه وبعضهم متزوج من قريباته ولقد قتل الأربعة المشار إليهم آنفا (300) شخص في جنوب لبنان منهم (171) فلسطينيا في ليلة واحدة من شهر تشرين الثاني 1987 بتهمة العمالة للمخابرات الأردنية !! وفي يوم هرب (120) فلسطينيا من جيش الشعب (تابع لأبو نضال وسوف أتحدث عنه لاحقاً) والتجأوا إلى احمد أبو فؤاد القائد العسكري لقوات جورج حبش واتهم أبو نضال أحمد أنه مخابرات أردنية وأنه متواطئ مع ياسر عرفات ومع الأميركيين. وفي ليبيا قتل (165) فلسطينيا في مذبحة جماعية بحجة إرسالهم إلى أوزو (إقليم بين تشاد وليبيا) ورى (أبو داوود) لباتريك سيل أنه كان يقتل بعد منتصف الليل بعد أن يشرب زجاجة ويسكي كاملة. لكن هذا تفسير غير مقنع.

      وروى عبد الرحمن العزة الذي عمل مع أبو نضال عشرين عاماً أن النتيجة واحدة مهما كانت خمرا أم جنونا أو تعاونا مع الموساد فهي إرهاب وقتل وتصفية خيرة العناصر الفلسطينية تحت حجج مختلفة.

تصفية الضباط الفلسطينيين الممتازين:

      في شهر تشرين الثاني 1987 قتل أبو نضال خيرة ضباط كانوا في فتح ولجأوا إليه وهم:

1-    ياسر الديسي أبو مؤمن.

2-    عايش بدران (أبو عمر).

      وكان للضابطين دور مميز في حرب المخيمات وكان القتل بحجة أنهما مخابرات أردنية واعترف باسل رئيس العمليات العسكرية لمليشيا ابو نضال أن الاثنين على جانب كبير من الكفاءة.

      وقتل ىخرين ومنهم:

1-    إبراهيم العبد: الذي اطلع على حسابات أبو نضال في سويسرا وكان مالياً قديراً قتل في 1987.

2-    موسى رشيد كان يدير شركة مالية تابعة للمنظمة وقُتل بحجة انه عميل أردني.

3-    محمد خير(نور محارب) وقتل بتهمة العمالة وقتل عمه وكانا يحتلان مكانة مرموقة في لجنة العلاقات الخارجية والمطبوعات.

اعترافات عبد الرحمن العزة:

      اعترف العزة لباتريك سيل أن (أبو نضال) قتل كثيرين في معسكر (85) في بغداد وكان يقتل في الخارج اذا استدعى الأمر واعترف العزة (وكان مديراً لمخابراته) أنه كان يستدعيه ويقول له هذا ملف (فلان) ولا يجرؤ العزة على فتحه للاطلاع عليه وعلى الأغلب أن الملف وهمي. ويقول العزة إنه مرة قتل فلسطينيا واسمه أحمد جمعة بحجة أن من كان يتسوق  معه في بغداد جاء من بيروت بعد أن قابل أعضاء في فتح! وقتل نبيل عبد الفتاح مدير وحدة مكافحة الجاسوسية بعد ان اختلف معه. فر نبيل للأردن وقال أبو نضال إنه اردني وليس فلسطينياً وتم استدراجه وقتل. وقتل أبو نضال شخصاً عمل معه على مدار السنين وهو (أبو موسى) بحجة انحرافات جنسية وقتل زوجته لنفس السبب. وكان أبو موسى معلماً قديراً له شعبية أزعجت أبو نضال!.

هل تم إجهاض عملياته؟

      يقول (إبو إياد) ان منظمة التحرير الفلسطينية كانت تنجح في إجهاض عملياته ونجحت في إجهاض 120 عملية من (200) عملية خلال عشرة أعوام وللعلم فإن (ابو اياد) كان هدفاً دائماً لابو نضال وقد نجح في قتله في توقيت غير عادي وقبيل أحداث غزو الكويت 1990م.

عدم  رد الجميل لابو أياد

      وللعلم فإن (أبو إياد) هو ولي نعمة أبو نضال. كان أبو نضال تاجراً لأدوات كهربائية في الخليج وعاد إلى عمان واستأجر فيلا في جبل عمان بعد حرب 1967م ولما كان أبو إياد في الغور ويأتي إلى عمان كان يذهب لبيت أبو نضال في جبل عمان ويستريح من هموم العمل وتطورت العلاقة حتى تم تعيينه في الخرطوم سفيراً وهناك كما يقول باتريك سيل تم تجنيده لحساب العراق.. كانت علاقة المنظمة مع صدام ليست جيدة واستقبل أحمد حسن البكر الرئيس العراقي ابو اياد  استقبالاً فاتراً إذ لم يقم عن الكرسي.. وبعد المقابلة عرف أبو اياد أن احمد حسن البكر أعطى أبو نضال مساعدات بالملايين.

اغتيال الدبلوماسيين الأردنيين:

      لم يكتب أحد عن اغتيال (أبو نضال) للدبولوماسيين الأردنيين. كنت يومها في وزارة الخارجية وفي مصر يوم بدأت الاغتيالات واتذكر أن التعليمات بدأت تصدر للدبلوماسيين في بعض الدول بأخذ الحذر.

مسلسل الاغتيالات:

      استشهد عدد من الدبلوماسيين الأردنيين ومنهم:

1-    الدبلوماسي زياد الساطي في السفارة في أنقرة.

2-    الدبلوماسي عزمي المفتي في السفارة في بخارست.

3-    وفي التسعينات استشهد الوزير المفوض نائب المعايطة في بيروت.

4-    وجرح كل من :

أ‌-    السفير تيسير طوقان في روما.

ب‌-    السفير محمد خورما في الهند.

5-    استشهد الموظف في السفارة (في مدريد) وليد بلقز.

6-    تعرض الدبلوماسي عاصم قطيشات في أثينا لمحاولة اغتيال في وسط اثينا لم يصب بأذى.

7-    قتل أخرون.

مقابلاتي وذكرياتي مع الدبلوماسيين الذين كتبت لهم النجاة:

      قابلت محمد علي خورما وذكر لي أن القاتل يشبه ملايين الهنود في ملابسه.. جاء يحمل حقيبة. كان محمد علي قد عاد لتوه من السفارة وأمام السيارة (امام المنزل).. قام القاتل بفتح الحقيبة وأخرج رشاشا أطلق منه صلية على محمد علي خورما.. وفك الرشاش وأغلق الحقيبة ثم عاد ثانية وفتح الحقيبة وأخرج الرشاش وأطلق ثانية ومع  ذلك كتبت النجاة للسفير.

      وبالنسبة لعاصم قطيشات كان يقود سيارته عندما لاحظ أن رجلاً يصوب مسدسه نحوه أمام إشارة ضوئية ولكن إرادة الله نفذت ولم تنطلق الرصاصة.

      كان القاتل قد أوقف دراجته أمام عمارة فيها دبلوماسي اميركي الذي لاحظ أن الدراجة ليست تابعة لسكان العمارة فأعطى رقمها للشرطة وقبضت على الرجل في القطار بين اثينا ويوغسلافيا. ولا أعرف باقي التفاصيل.

      وحدثني سليمان عرار أن تيسير طوقان تعرض لمحاولة اغتيال من شخص رياضي يركض ويحمل حقيبة في يده واختفى في شوارع روما.

      وألقي القبض على قاتل (عزمي المفتي) وتوترت علاقات الأردن مع رومانيا وكان حاكمها (تشاوتشيسكو) ولم تسلم القاتل للاردن.

اغتيال نائب المعايطة:

      اعطاني المرحوم  الأخ (محمود المعايطة) ملف التحقيقات في قضية نائب المعايطة. وهذه العمليات جاءت متأخرة في عام 1994. وباقي العمليات كانت في النصف الأول من الثمانينات. وهذه العملية لم  يشترك فيها واحد من أهم رجالات ابو نضال وقوته الضاربة في لبنان إذ كان قد توفي قبل ذلك وهو غسان العلي (سليمان سمرين) ولذلك كانت عملية فيها ارتباك كبير. لقد اختاروا منطقة فيها نفوذ سوري كبير في بيروت مما سهل القاء القبض على القتلة وأوقف اللبنانيون مجموعة وكان اللبنانيون بوجود السوريين حازمين جداً مع القتلة واتهموا بالإرهاب والنيل من سلطة الدولة وتم اغتيال (نائب عمران المعايطة) يوم السبت 29/1/1994م... كانوا قد خططوا بعد أن اجتمعوا يوم الجمعة وانتظروا ليوم السبت.. اشترى المرحوم  صحيفة وركب السيارة وقادها للخلف.. هنا هاجمه اثنان باطلاق النار وكان الثالث يغطي عليهم. القاتل الأول القى الاتراك القبض عليه وتم تسليمه للأردن.. إذ أنه غادر لبنان بعد الحادث للسودان ثم تركيا وهناك ألقي القبض عليه.

      وقيل أن الجريمة كانت لوقف المضايقات ووقف التناغم الأردني السوري اللبناني.. الى آخر هذه الأعذار المتكررة. ترأس وصفي حنون  اجتماعات قتل نائب لمعايطة كما جاء في التحقيق.. ومن خارج التحقيق فقد كتب باتريك سيل أن الذي ترأس الاجتماع للعملية هو قائد جيش الشعب وهي قوات ميليشيا موجودة في لبنان  تأسست عام 1985. التحق قائد جيش الشعب بأبو  نضال عام 1974م  ولقد سيطر عليه أبو نضال وطلب منه قتل حماته وشقيقة زوجته عام 1986م ومن يومها فقد توازنه واستحال إلى شخص متهالك. ودوره في جيش الشعب (صوري).. ( من يرأس جيش الشعب حقيقة...!) ولكن ليس من مهمات جيش الشعب عمليات القتل والخطف وهكذا قاد عمليته خارج اختصاصه!.

      وأخيراً أقول أن تصفيات الدبلوماسيين هي من المهام الثانوية لأبو نضال وأن المهام ذات الأولوية هي قتل الفلسطينيين بالجملة وأبرز عملياته اغتيال (أبو أياد).

Abudayeh@hotmail.com

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018