إلى أين تأخذنا حركة فتح؟

من فلسطين كل فلسطين، إلى حالة تشظي بين سجالات لا معنى لها. ومن الخروج من قلب الغياب، وتحقيق النصر بالدفاع عن القرار الوطني المستقل، إلى توديع علامات النصر المكتوب بالدم بحثاً عن غيابات ممكنة. هذا هو ملخص شديد الاختصار لرحلة الشعب الفلسطيني كما تتبدى في حال صدقت بعض أو كل التسريبات والإشاعات حول المؤتمر الوطني القادم لحركة فتح.

حقيقة أن فتح ليست هي التي صاغت خيار النضال الفلسطيني، ولكنها بلا منازع هي التي صاغت مسيرة هذا النضال عبر العقود الأربعة الماضية. فهي التي، وإن لم تنفرد بمنظمة التحرير، قادتها وشكلتها. وهي التي، وإن لم تخترع الوطنية الفلسطينية، قامت بإعطائها شكلها. وهي التي قادت الشعب الفلسطيني، برحلة مربكة على الذاكرة والوصف، ولكنها بالتأكيد أعادته إلى خارطة العالم السياسية بعد أن لم يكن معترفاً به.

فتح هي رحلة فريدة عبر التاريخ، من غياب أصم لشعب عظيم، إلى حضور طاغٍ. أوهام الحضور وزهوه طغت في معظم المراحل على مقتضياته وشكلياته. وتداخل مسرح الحياة بكل رثاثة الواقع، مع متطلبات مسرح الحضور المناكف، في خلق صورة مرتبكة. فيها كل عناصر الصورة، ولكنها تفتقر إلى صفاء الصور. صورة استسلمت لغوايات المسرح ولكنها لم تستطع إخفاء ندب النكبات والهزائم ويوميات اللجوء وبقايا الدم والدموع على الملامح المرهقة. والنتيجة كانت تحول الشعب الفلسطيني إلى حقيقة ليس عبر النصر، ولكن عبر الهزائم والدم والتهجير. حتى الهزائم الكبرى، كانت تتحول بين يديه إلى روافع تعزز حضوره، وترسمه هوية ذات حضور يتعالى كل يوم.

ورسم الشعب حقيقة وجوده بطريق مرسومة بذكريات الخسائر والهزائم، وإن أفضت إلى مسرح هزيل وصور هزيلة، ولكنها حقيقة. لم تكن أهمية المعارك بنتائجها، بل كانت أهميتها بأن هناك من يخوضها. فالعديد من المعارك كانت تخاض ليس بحثاً عن نتيجة ونصر، بل بحثاً عن معركة تثبت حقيقة وجود الشعب الفلسطيني. وهذا الذي يجعل مسيرة النضال الفلسطيني فريدة، وعصية على كل محاولات النقد الأبله الذي لم يدرك المزيج بين اللعب والزهو والمصلحة. بل ربما كانت مسيرة الشعب الفلسطيني منذ ظهور نذر كارثته عام 1919، وحتى اليوم، دليلا على حقيقة كبرى، وهي أن التاريخ مسارات وليس محطات لترسو فيها الرحلات المغامرة.

رحلة الشعب الفلسطيني دليل جديد على أن العظمة ليست في النصر، بل في القدرة على اجتياز الحواجز الفاصلة بين العدم والغياب، إلى ساحات الحضور. وكان جواز المرور للشعب الفلسطيني، صور الهزائم، وأخطاء وخطايا التكتيك، التي لم تستطع أن تلغي فاعلية الدم الذي تدفق ممزوجاً بصوت زغاريد وبكاء وقهقهات. ولكن تحقق الحضور بالمعركة، رغم الهزائم، ورغم الخسائر.

كل هذا ليس من أجل القول من جديد ان فتح حركة تحرر عظيمة، استحقت من شعبها ما احتاجته من دم وعرق ودموع. واستحق شعبها بكل جدارة، الاعتراف والتعاطف. بل من أجل التمييز بين الشعب والحركة. الشعب الفلسطيني اكبر من فتح. والشعب الفلسطيني الذي بنى فتح وخاض فيها رحلته من الغياب إلى الحضور الطاغي، يستحق أكثر بكثير مما تقوله فتح عن نفسها، وما تعمله بنفسها وبشعبها.

إذا صح ما يقال أن اللجنة المركزية لحركة فتح التي ستعقد قريباً، سوف تفصل من فتح كل من يرفض اتفاقية أوسلو، فإن فتح تتحول بذلك من طليعة شعب قادت مسيرته من الغياب إلى الحضور، إلى رأس حربة لمشروع صهيوني ما يزال يعاند ضرورات التاريخ ليتطور ويتغير. تحويل حركة فتح إلى وقف لاتفاقية أوسلو ليس فقط خيانة لتاريخ فتح. بل هو أيضاً، تآمر مع مجموعة إسرائيلية مجنونة، تريد من كل العالم أن يتغير إلا هي. هو ببساطة وقوف مأجور لمنع نسائم التاريخ من لمس أساطير اليمين الإسرائيلي.

ولا تكتفي الشائعات بالقول ان اللجنة المركزية القادمة لفتح ستفصل كل من لا يوافق على أوسلو، بل هي أيضاً ستحضر لمؤتمر وطني عام للحركة تحت شعار تعميق العلاقات الوحدوية مع الأردن.

إذا وافقت عمان على استضافة مثل هكذا مؤتمر، فإنها تسمح بذبح تاريخ الشعب الفلسطيني. فإذا كان هناك من يريد أن يشوه مسيرة التاريخ الفلسطيني، فليفعل ذلك بعيداً عن عمان. عمان شريكة بالدم والدموع برسم تاريخ الصورة. وعمان شريكة بإعادة إنتاج رواية الحضور، ولكنها لن تكون سكيناً يذبح هذا الحضور، ولا مقبرة لوأده.

لنتذكر أن عنوان الدفاع عن القرار الفلسطيني المستقل كان عمان. وعنوان وحدة التمثيل كان عمان، وعنوان وحدة الشرعية هو أيضاً عمان. ولن تكون عمان حاضنة لوهم فكرة تريد أن تعتذر عن التاريخ. عمان التي شاركت برسم التاريخ، شريكة في تفسيره وشريكة في عيش مستقبله، ولكنها ليست مقبرة للأحلام الكبيرة. هذه الأحلام التي يريدون الآن لعنها والتبرؤ منها هي التي جعلت من الهزائم والنكبات تاريخا مسيرا، والدليل الوحيد على حضور شعب رفض الغياب، وأصر على الحضور.

عمان يجب أن تكون حاضنة الحضور الفلسطيني، عمان يجب أن تكون مرآة الشرعية الفلسطينية المستقلة. عمان يجب أن تكون منصة انطلاق جديدة لرحلة تمضي نحو نصر ما يزال متدثراً بألوان الأحلام. ولكنها لن تكون ساحة لتلهي البعض بمحاولات شطب تاريخ لا يوجد فيه للآن إلا ذاكرة الشهداء وكل ما تستدعيه البطولة من أضداد.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018