دارفور والانتحار العربي

منار الرشواني

في 9 أيار 2006 بدت كل المؤشرات باعثة على الارتياح، ولربما الغبطة، لدى مناوئي أميركا، وضمنهم كثير من العرب.

فرغم أن الولايات المتحدة لم تسع إلى شغل مقعد في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، والذي أنشئ ليحل محل اللجنة الدولية لحقوق الإنسان، فقد كان بالإمكان قهر القوة العظمى الوحيدة بشكل صريح ومباشر عبر انتخاب عدوها اللدود "كوبا" عضواً في المجلس، حتى وإن جسد ذلك تنكرا للوعد الذي كانت الدول الأعضاء في الجمعية العامة للأمم المتحدة قد قطعته على نفسها "بأن تأخذ في الحسبان سجلات البلدان المرشحة في مجال حقوق الإنسان عند الإدلاء بأصواتها في انتخابات" المجلس.

لكن المجلس الذي كانت كوبا أهون استثناءاته، كونه ضم دولاً أخرى لا يعترف بعضها بحقوق الإنسان أصلاً تحت ذرائع شتى، تبدأ بالخصوصية الثقافية ولا تنتهي بمواجهة الإمبريالية وحتى تحقيق التنمية! وكان يفترض به، كنتيجة منطقية لكل ذلك، أن يكون مجلساً "حليفاً" يحمل خصال المؤسسة العالمثالثية بامتياز؛ هذا المجلس بات اليوم، وبعد أقل من عام فقط على تدشينه واختراقه، موضع شك وريبة من قبل كثير من العرب، ولا سيما المناوئين لأميركا أيضاً! أما السبب، فهو تشكيله لجنة تقص للحقائق في إقليم دارفور في السودان، انتهت في تقريرها النهائي إلى اتهام الحكومة السودانية بـ"المشاركة في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور".

لكن ذات الريبة والتشكك في المجلس "المرتد"، يثيران التساؤل والريبة والتشكك في سياسة كثير من الدول العربية والإسلامية ومعاييرها.

فرفض السودان ومؤيديه لتقرير لجنة تقصي الحقائق، يتم بناء على حجة أن "البعثة فشلت في القيام بزيارة ميدانية، ولهذا فلا يمكن اعتبار التقرير موضوعياً وقائماً على أساس قانوني"؛ لكن المسؤول عن عدم تمكّن اللجنة من زيارة إقليم دارفور، والاكتفاء بالتالي بتحقيق من الخارج المجاور، هو الحكومة السودانية التي رفضت إعطاء أعضاء اللجنة تأشيرات دخول بعد تحفظها على حيادية ونزاهة أربعة من أعضاء اللجنة الستة. وإذا ما سلمنا بالحجة -أو الذريعة- السودانية، تكون النتيجة الوحيدة المباشرة هو فشل عربي وإسلامي في تشكيل لجنة "محايدة" و"نزيهة" في واحد من أهم معاقلهم، وفيما يتعلق بواحدة من أخطر القضايا عالمياً، وإن لم تكن كذلك عربياً، حقوق الإنسان!

وبعد التشكك في السياسة، يبدو ممكناً إثارة أكثر من علامة استفهام حول المعايير العربية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والمواطن.

فإذا كانت لجنة مجلس حقوق الإنسان لجنة إمبريالية تآمرية، رفعت تقريراً منتناً برائحته الاستعمارية، فلماذا لم يقم السودان بإجراء تحقيق حقيقي بعد كل هذه السنوات على تفجر أزمة دارفور منذ العام 2003، ولم يتمكن من إنهائها؟ لا داعي للحديث عن الإمبريالية، لأنه فيما كان العالم يقترب من الإجماع على وجود مأساة ومذابح في الإقليم، كانت الحكومة السودانية تصر على أن الأوضاع أكثر من طبيعية!

وحتى قرار الحكومة السودانية، قبل أيام، محاكمة أحد مسؤولين اثنين كانت قد اتهمتهما المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم حرب في دارفور، هو قرار يحسب على الحكومة السودانية وليس لها. فلماذا انتظرت هذه الحكومة توجيه مدعي عام المحكمة الدولية اتهاماته إلى المسؤولين السودانيين لتتخذ إجراء بحق أحدهما؟ وهل ستتم المحاكمة "الوطنية" بناء على تحقيق لم يسمع عنه العالم، أم فقط لقطع الطرق على المحكمة الدولية وصوناً لما يسمى "سيادة" لا تظهر في كثير من بلداننا العربية والإسلامية إلا لتبرير قمع الشعوب بعيداً عن أعين العالم؟

يستحق السودان كل دعم عربي وإسلامي ممكن، إنما وفق الفهم الصحيح والدقيق لـ"أنصر أخاك ظالماً أو مظلوماً". وقد آن أوان الكف عن انتحار العرب جسدياً ومعنويا، وإغلاق الطريق المؤدية إلى مستقبل أفضل، فقط نكاية بأميركا التي إن كانت تضمر لنا فعلاً كل هذا الشر، فلا بد وأن تكون سعيدة بكل ما نفعل الآن، وليس العكس.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018