حكومة مترددة

سميح المعايطة

 

 ازمة مشروع قانون الموازنة الذي رفضته أكثرية اللجنة المالية، تكشف عن مأزق سياسي تعيشه الحكومة. إذ يرى بعض المراقبين في رفض اللجنة، وعدد من النواب المحسوبين على الدولة، لمشروع قانون الموازنة، مؤشرا على "رفع الغطاء والحماية" عن الحكومة وتركها "تقلع شوكها بايديها"! وقد يكون هذا مؤشرا على قرب الرحيل وانتهاء الصلاحية، او لا يكون اكثر من "قرصة اذن".

وما يجري ان الحكومة قدمت أنموذجا سلبيا في ادارة ازمة الثلجة؛ هذه الثلجة التي كشفت عورات قدرات الحكومة المتواضعة في ادارة ازمة عادية. وجاءت بعدها قضية الغاز التي يفترض انها ليست قضية الا حين تتولاها ادارة مرتبكة. وكل هذا اوجد موقفا غاضبا من الحكومة لدى الناس وفي اوساط اخرى.

الحكومة صنعت لنفسها ازمة جديدة عبر الموازنة، لانها حكومة مترددة. فهي تعلم ان النواب في عامهم الاخير، وانهم يسعون إلى ارضاء الناس ويريدون مواجهة النقد الشعبي، وان زيادة الرواتب طريقة لتقديم دعم للناس، لكن الحكومة التي لديها الدراسات والاوراق حائرة ماذا تختار! وهي، مثلما تفعل دائما، تفضل تضييع الوقت الطويل قبل ان تتخذ القرار، ولهذا تعقد اجتماعات طويلة، لكنها لا تخرج بقرار واضح عن الزيادة او هيكلة الرواتب. والنواب لا يمكنهم ان يوافقوا من دون ان يعرفوا ماذا لدى الحكومة. كما ان البعض قرأ ان الحكومة في وضع سياسي صعب، ولهذا كان رفض المشروع من اللجنة، رغم كل ما قال نائب رئيس الوزراء للجنة المالية، واضطرت الحكومة الى طلب لقاء جديد مع اللجنة امس السبت. وكل هذه اعباء سياسية يصنعها تردد الحكومة وعجزها عن حسم خياراتها.

الرئيس قال قبل العيد ان هناك توجيهات ملكية بتحسين اوضاع الموظفين العاملين. وكان على الحكومة ان تجعل هذه القرارات خطوة لصالحها، وليس حبلا يلتف حول رقبتها؛ اي ان تحسم خياراتها، فيظهر الرئيس على المواطنين عبر الاعلام ليقدم لهم القرارات التي ترفع شعبية الحكومة وتستجيب لتوجيهات الملك. لكن هذا يحتاج الى حكومة مبادرة، لها قدرة على قراءة الواقع السياسي ومزاج الناس. وبدلا من ان تجعل الحكومة من قرارات الزيادة خطوة للتخلص من اثار ازمة الثلجة، جعلت منها ازمة جديدة، ما عمق القناعة بان الحكومة لن تغرق فقط في شبر ثلج او جرة غاز، بل في دراسة رفع الرواتب، التي هي ورقة ايجابية تستغلها اي حكومة!

التردد ليس غريبا، فالحكومة امضت سبعة او ثمانية اشهر من دون ان تعين مديرا لدائرة الاراضي بحجة انها تبحث عن الكفاءة، وان لجنة التعيين تبحث كل الخيارات، ثم عادت وعينت المدير بالوكالة! واكتشفنا ان كل حديثها السابق تبرير للتردد والبطء، وليس بحثا عن مدير للدائرة وكأنها دائرة التسليح النووي!

الحكومة مترددة، ولهذا فقدت ورقة هامة هي رفع الرواتب، واصبح النواب هم الابطال الذين سيجبرون الحكومة على رفع الرواتب! وخسرت الحكومة قرارا لم يتوفر لحكومات سابقة. ولانها مترددة، لم يفكر الرئيس او وزير الداخلية بركوب طائرة عمودية الى محافظات الجنوب لتفقد الناس يوم ان كانوا محاصرين، وهي مبادرة كانت ستنفع الحكومة سياسيا امام صاحب القرار وامام الاردنيين، لكن الحكومة كانت في عطلة، مثل طلبة المدارس، فخسرت، وشكلت قناعة انها لا تحمل اي نوع من القدرات التي تمكّنها على مواجهة الازمات العادية.

الموازنة ستمر من مجلس النواب، ليس لقدرة الحكومة بل لان عدم تمريرها يربك الدولة. لكن ادارة الحكومة لملف الموازنة ضعيف، إذ تتحدث عن دراسات لرفع الرواتب وكأنها تدرس احتلال القمر! فالخيارات موجودة، لكن القدرة على الحسم غائبة، ولهذا دخلت الموازنة في هذه الازمة، ودخلت معها الحكومة.

منذ ان جاءت الحكومة قلنا انها حكومة عادية. وكان واضحا ان نهج الرئيس هو "المشي جنب الحيط"؛ فكانت تشكيلة عادية، وكان التعديل مثله. والاهم، ان ادارة القضايا عادية ومرتبكة. ولم ينفع الحكومة ان رئيسها قريب من الناس وبعيد عن المصالح والصفقات، ولا توجهاته الايجابية في بعض المجالات، لانه اولا واخرا رجل سياسة.

الحكومة التي تغرق في كل قضية لا يمكنها ان تجد حلولا لمشاكل الناس، وهي بهذا الاداء تقدم خدمات مجانية لخصومها، رغم انها من اقل الحكومات خصوما، لكنها تصنع ازماتها بضعف ادارتها للقضايا، او بالتردد والبطء اللذين لا يمكن ان يقال انهما حكمة، لان الحكمة ان تفعل كل شيء في وقته، وليس عندما يذهب بسبب ترددك.

sameeh.almaitah@alghad.jo

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018