كوندي مرة أخرى

ياسر أبو هلالة

 

في مناخ متوتر متخلف متطرف تستيقظ كل الغرائز العنصرية. لو أجري استطلاع للرأي في العالم العربي حول زيارة كونداليزا رايس للمنطقة لتوقف الشارع العربي عند مسألتين: أنوثة الوزيرة ولون بشرتها الموحي بأصولها الأفريقية. الانطباع المتولد من الحكم على الشكل أسرع تشكلا من فهم تعقيدات السياسة الأميركية، التي مهما صدر عنها من خطط وسياسات في العراق وفلسطين، يمكن تلخيصها بأنها سياسة "كريهة" لا يتوقع منها خير. وخصوصا خطة بوش الأخيرة المزمع ترويجها في المنطقة.

وتذكرهم بغولدا مائير وثاتشر وأولبرايت وكل النساء اللواتي تسببن بكوارث تاريخية لأجدادهن وأحفادهن. تماما كما تذكرهم بأنهم "عبيد" مثل أجداد كوندي. يحاكمون على لون بشرتهم وكأنهم ليسوا بشرا. الأردن ليس جزيرة منفصلة عن عالم العرب والإسلام. الناس هنا معنيون بالموقف الأميركي المنحاز لأثيوبيا مع أن لديهم كارثة تدفئة معاشة في الشتاء وكارثة ماء منتظرة في الصيف! قد تشعر بالبرد قليلا، ولو كنت مكان المسؤولين لما شغلت التدفئة لتشعر كم يعاني الناس من ارتفاع أسعار النفط.

ليس خفة دم. حقيقة لا حديث للناس غير انقطاع الغاز وارتفاع سعر السولار الذي حول مدافئ البيوت إلى تحف تذكر بماض يحنون إلى عودته. وسخطهم على البرد القارص يتحول تلقائيا باتجاه أميركا. فما لا تعلمه كوندي أن الأردنيين يحفظون للراحل صدام مساعدته لهم بأسعار النفط التفضيلية في عز سنين الحصار. فالأميركيون لم يشنقوا فقط الرجل الذي هتف لفلسطين وللأمة العربية، بعد صدور حكم الإعدام، وإنما شنقوا الرجل الذي آمنهم من برد.

صدام ليس مثل أثيوبيا البعيدة. إنه مسألة داخلية تخص كل مواطن عربي شخصيا. صدام مجرم حرب لقي جزاءه، ببساطة سترد الوزيرة؛ الناس هنا ستقول حسنا وشارون ليس مجرم حرب؟ لا تعدموا شارون لكن عندما يموت (رسميا) لا تشاركي يا كوندي في جنازته ولا تشقي عليه جيبك! إنها العنصرية بعينها. فالأطفال الذين قتلوا في صبرا وشاتيلا ليسوا بشرا. للتذكير في 16 سبتمبر الفلسطيني أي تاريخ صبرا وشاتيلا قتل العدد ذاته الذي قتل في 11 سبتمبر الأميركي، وكل ما يطالب به الضحايا ألا يكرم قاتلهم لا أن يحاسب!

 

زيارة كوندي تختلف هذه المرة عن سابقاتها. اليوم تجد شقوقا في جدار الرأي العام فلسطينيا وعربيا وإسلاميا، شقوق تحسب أنها تستطيع النفاد منها. الشعب الفلسطيني مقسم بين حماس التي تملك شرعية الانتخابات وشرعية المقاومة وبين فتح التي تمتلك شرعية التاريخ وشرعية الأمر الواقع. الأميركيون خلافا لسياستهم في العراق هم مع الأمر الواقع في فلسطين وضد ما أفرزته الانتخابات. الشق الثاني في الجدار يتعلق بإيران، فدم صدام تفرق بين الأميركي المقرر والإيراني المنفذ. الرأي العام مؤلب ضد إيران. وخبر اقتحام القنصلية الإيرانية في أربيل لم يكن مزعجا لدى كثيرين في العالم العربي.

ستركز كوندي على الشقوق في جدار الرأي العام، وستطالب بسياسة أكثر حزما تجاه حماس وإيران. الرأي العام ليس بهذا الغباء فحماس استنكرت إعدام صدام واعتبرته "اغتيالا سياسيا". والموقف تجاه إيران ليس نهائيا. فالناس مع إيران في لبنان عندما ساعدت حزب الله في هزيمة إسرائيل وضدها في العراق عندما ساعدت مليشياتها في حرب الإبادة على السنة العرب.

المسألة عنصرية! العرب والمسلمون مثل حال الأميركيين من أصول إفريقية في أميركا. يتعرضون للاحتلال والتهجير والقتل والإبادة، منهم من سلك خط مالكوم إكس الذي اعتبر العنف وسيلة مشروعة لنيل الحقوق، ومنهم من سلك خط مارتن لوثر كينج الذي رأى أن الحقوق تنال سلما. في المحصلة قتل الاثنان!

ربما لو تعود كوندي باحثة أكاديمية كما كانت وتعرفت على تاريخ المنطقة لاكتشفت أن السياسة التي تقودها عنصرية ضد كل ما هو عربي ومسلم. هل قرأت الوزيرة الدكتورة كتاب الرئيس السابق جيمي كارتر، وهو صاحب كامب ديفيد؟ ربما قرأته وتريد تأليف كتاب اعتذاري مثله بعد مغادرة الموقع. الحكمة ليست بأثر رجعي.

بما أن من عادة المغلوب أن يقلد الغالب، كما يقول ابن خلدون، فالضحية تغدو عنصرية، وسينظر للوزيرة من زاوية أنها أنثى ومن أصول أفريقية! وبانتظار وزير خارجية ذكر وأشقر.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018