موسم الصيد النووي السهل

د.باسم الطويسي

 لم تشكل التجربة النووية الكورية الشمالية مجرد صدمة للعالم أصمت الآذان، وليست مجرد إعلان رسمي لفشل جهود الدول الست الكبرى التي حاولت إقناع بيونيفيانغ منذ سنوات بالتخلي عن برنامجها النووي، انها باختصار واحدة من أكثر الضربات الموجعة التي يتلقاها النظام الدولي الراهن، وتشير إلى موطن مقتل هذا النظام، وأقوى أعراض اعتلال الفكر الاستراتيجي الأميركي الذي قاد العالم في حقبة ما بعد الحرب الباردة.

يعد هذا التطور من نوع المفاجآت المنتظرة، فالعالم كله كان يتوقع، بين وقت وآخر، إعلان الكوريين الشماليين عن إجراء هذه التجربة، ومكمن المفاجآت لا يبدو في حالة الارتباك التي انتابت مراكز القوى العالمية من الصين اقرب الحلفاء التي وصفتها "بالتجربة الوقحة" مروراً بالشقيق اللدود في الشطر الجنوبي والذي ذهب إلى ان هذا العمل "لا يغتفر"، وصولاً إلى الولايات المتحدة التي لم تكتف بوصفه بالعمل العدائي والاستفزازي، بل بدأت باتخاذ اجراءات عملية من شأنها إنزال عقوبات دولية ضد كوريا الشمالية، كل هؤلاء وغيرهم في العالم يدركون ان مكمن الخطورة في الخطوة الكورية المتوقعة انها جعلت عضوية النادي النووي العالمي عامة، وأنها تستنسخ نسخة جديدة من سباق التسلح التقليدي في عالم الحرب الباردة إلى سباق تسلح استراتيجي، وتكمن كذلك في أسئلة الدمار الشامل في ظل النظام العالمي الأحادي القطبية، ما يعني ان هذا النظام العالمي الراهن بات يواجه مصيره المحتوم.

لقد استطاع نظام الثنائية القطبية الذي أدار الحرب الباردة أربعة عقود المحافظة على منع انتشار الأسلحة النووية بعد الاتفاقية التي وقعت عام 1968 ولم تجر أي تجارب نووية معلنة خارج دول النادي النووي إلا التجربة الهندية المحدودة عام 1974، ومنذ انهيار هذا النظام برزت طموحات نووية لدول صاعدة في مختلف أنحاء العالم، في أميركا اللاتينية والشرق الأقصى والشرق الأوسط وغيرها من أقاليم العالم، ونجحت الهند وباكستان في احتلال مقاعد جديدة في مجموعة الدول المعترف بها رسمياً بامتلاك الأسلحة النووية عام 1998، إضافة إلى إسرائيل التي اعتادت على رفض الاعتراف أو نفي ملكيتها لهذه الأسلحة، ودخلت إيران مؤخراً على خط الدول ذات الطموحات النووية بعد المعلومات التي نشرت عام 2003 بأن برنامجها النووي يسعى لأهداف عسكرية.

تقود هذه التطورات إلى أن زمام السيطرة الاستراتيجية أخذ يفلت من يد الولايات المتحدة، عكس ما كان يحدث أثناء الحرب الباردة التي وفّرت مساحة من المناورة والردع المتبادل بين القوتين حدت من صعود طموحات نووية جديدة. فبعد الحادثة الكورية باتت التوقعات تشير إلى عودة سباق جديد من التسلح، لكن هذه المرة من العيار الثقيل، وفي الدائرة المحدودة لمنطقة جنوب شرق آسيا وحدها، وسيدفع ذلك حكومات عديدة إلى زيادة انفاقها العسكري ويدفع الدول التي كانت ترفض الدخول في السباق النووي مثل كوريا الجنوبية وتايوان إلى السعي لامتلاك أسلحة نووية، حتى في اليابان التي ستأخذ منذ هذا التاريخ بالشك بنظام الدفاع الصاروخي الذي شيدته مع الولايات المتحدة بعد تجربة الصاروخ الكوري الذي حلق فوق أراضيها قبل سنوات، وربما يبدأ هذا العملاق الكبير بمراجعة استراتيجيتها في سياق تحول موازين القوى في العالم.

الحاضر الدائم في هذه التحولات سيكون الشرق الأوسط؛ حيث سيعني تمرير هذه التجربة بمجرد عقوبات يفرضها المجتمع الدولي، الاعتراف بقوة نووية جديدة سينال تأثيرها حتماً القوى الصاعدة في الشرق الأوسط، وربما يشهد العالم إعادة ترتيب أوراق الملفات النووية الإيرانية والإسرائيلية من جديد، في الكيفية التي ستتعامل معها إيران مع المجتمع الدولي خلال المراحل القادمة، وفي احتمال إعلانات رسمية إسرائيلية أو تجارب معلنة تنهي مرحلة من تاريخ الشك وترتبط بفرض تسوية نهائية للصراع العربي– الإسرائيلي.

منذ مطلع التسعينيات من القرن الماضي جاء الإعلان عن ميلاد النظام العالمي على لسان جورج بوش الأب مرتبطاً بعقيدة منع انتشار الأسلحة النووية، بل نجد ان هذا الالتزام كان واحداً من ثلاثة أهداف عالمية بشر بها النظام العالمي الجديد آنذاك والمتمثل في السعي للقضاء على أسلحة الدمار الشامل وملاحقة الأنظمة التي تنتجها وإسقاطها عند الضرورة، ومنذ ذلك الإعلان وعلى مدى ستة عشر عاماً شهد العالم أوسع انتشار لهذه الأسلحة؛ فبعد (8) سنوات جاءت التجارب الهندية والباكستانية عام 1998، وبعد (8) سنوات اخرى تأتي اليوم التجربة الكورية، وما زال في الأفران النووية السرية في أنحاء عدة من العالم الكثير من الكعك النووي الأصفر.

لقد طورت العقيدة الاستراتيجية الاميركية مواقفها المعلنة من الانتشار النووي من مقولات "الدول المارقة" إلى "محور الشر" وأخذ هذا المبدأ المكانة الثانية في أهم الوثائق الاستراتيجية الاميركية الصادرة منذ نهاية الحرب الباردة، وربط ذلك بمبدأ رفض تراجع القوة الاميركية ومنع ظهور قوى منافسة لها، ولقد ظهر ذلك واضحاً في وثائق الاستراتيجيات الأمنية في النصف الأول من التسعينيات، ثم في وثيقة "مشروع القرن الأميركي الجديد"، وفي وثيقة "استراتيجية الأمن القومي 2002"، ووثيقة "مرشد التخطيط لشؤون الدفاع" وغيرها.

يبدو ان النظام الكوري، الذي ما زال يحكمه زعيم من آخر الستاليين في العالم، ويعيش نظامه عزلة دولية ويحيط بلاده بالأسرار والغموض لن يتأثر بالعقوبات الاميركية والدولية، وأقصى الطموح الأميركي من هذه العقوبات يتمثل في فرض الحصار البحري على كوريا لمنعها من تصدير قدراتها النووية لدول اخرى. فقد باتت اتفاقية منع انتشار الأسلحة النووية في حكم الميتة، بعد ان استطاعت هذه الدولة التي يصفها الغرب بالتخلف من تطوير هذه الأسلحة بقدراتها الذاتية.

الحادثة الكورية لا تسر البال على المستوى الإنساني والعالمي، ولكنها تشير إلى بداية نهاية مرحلة من الاستبداد العالمي كان هاجسها وشعارها "أمركة القوة في العالم"، وستجعل السنوات القليلة القادمة بمثابة موسم للصيد النووي السهل لمن أراد.

[email protected]      

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018