مخالفات مرورية "تلبيس"

إبراهيم غرايبة

يقول جهاز الحاسوب في دائرة الترخيص إن السيد خميس آدم محمد أبو خميس كان يقود سيارتي بتاريخ 12/6/2005 بدون استخدام حزام الأمان، وهكذا فقد كان لزاما علي أن أدفع مخالفة السيد أبو خميس، وهو مواطن لا أعرفه وأظن أنه لا يعرفني، وأجزم بأنه لم يستخدم سيارتي أبدا، وأن المخالفة المرورية التي ارتكبها في سيارة أخرى غير سيارتي فُرضت علي خطأ أو ظلما.

وهي المرة الثانية التي أدفع فيها مخالفات لم أرتكبها أبدا، فقد ألزمت في العام 2004 بدفع مخالفة وقوف خاطئ في إربد يقول الحاسوب إنني ارتكبتها في العام 2001، وأجزم بأنني لم أرتكب هذه المخالفة أبدا لأنني كنت في ذلك الوقت في الدوحة، ولا أعرف لماذا لم يفطن الحاسوب للمخالفة إلا بعد ثلاث سنوات من وقوعها برغم أنه (الحاسوب) لا يفوت صغيرة ولا كبيرة؟

وأذكر أن الزميل حسين الرواشدة كتب قبل مدة من الزمن عن شكاوى لعدة مواطنين علم بها عن مخالفات يجزمون بأنهم لم يرتكبوها. وسواء كان السبب خطأ فنيا في تثبيت الرقم أم عملا متعمدا لإعفاء المخالف الأصلي وتلبيس المخالفة على بريء آخر فإن المواطنين بذلك يتعرضون لظلم كبير يتجاوز دفع المخالفة إلى الشعور بالإهمال والتسيب، وهو شعور خطر ومؤذ عندما يتعلق الأمر بسلطة تنفيذية بالغة الأهمية والتداخل مع حياة المواطن والبلد العامة والمعيشية اليومية والاقتصادية أيضاً.

فالشعور بالثقة هو قاعدة أساسية واستثمار هائل ومتراكم تقوم عليه حالات كبيرة من أنماط الحياة والاستثمار والسلوك، وبدون هذا الشعور ستنشأ حالات مضرة من الإنفاق والتوتر والقلق بل والركود والتراجع.

والمواطنون والوافدون على اختلاف فئاتهم وأعمالهم يتخذون اتجاهات إيجابية أو سلبية في العمل والاستثمار والسلوك والتفكير بناء على مستوى ثقتهم بالإجراءات والسياسات والتقاليد المتبعة، وما تقوم به حواسيب دائرة الترخيص إنما يضر بالثقة التي تقوم عليها حياة الناس وأعمالهم لأننا نتحدث عن مؤسسة تتصل بحياة وأعمال جميع المواطين والمقيمين والسياح والمستثمرين والفكرة العامة عن البلد التي ننفق الملايين لحمايتها وتحسينها.

وبهذه المناسبة فإن الخطأ لا يتعلق فقط بتغريم المخالفات لأناس أبرياء، ولكنه يتعدى إلى سياسة وطريقة ضبط المخالفات التي وإن كانت مخالفات وقعت بالفعل فإنها تدار بطريقة تبتعد عن هدفها الحقيقي. فتصيد المركبات والسواقين بطريقة الكمائن، والبحث عن مخالفات مثل عدم استخدام حزام الأمان في شوارع داخلية وفي ظروف جوية استثنائية يضر بالثقة المتبادلة، والمفترض وجودها بين المواطن وشرطة السير، إذ إن ذلك يؤدي إلى أن ينظر المواطن إلى شرطي السير على أنه موظف جباية يتصيد المخالفات بأي طريقة حتى لو كانت عدم استخدام الحزام في شارع همدان في ضاحية الرشيد وفي جو ماطر تتدنى درجة الحرارة فيه إلى ما دون الصفر، وهذا أمر شاهدته بنفسي، وليس رسما كاريكاتوريا.

هذه النظرة تضر بعمل الأجهزة التنفيذية بعامة وبصورتها لدى المواطن، فالشرطي أسمى من ذلك بكثير، إذ هو يرمز إلى كرامة المواطن وشعوره بالرضا والاستقرار وأنه يؤدي عملا جليلا وساميا، وشعور المواطن أن شرطي السير لا يثق به وأنه يتعامل معه بريبة ويتصيد أخطاءه حتى الصغيرة منها، وأنه يرى الوطن كله مثل نَظَارة أو مركز تحقيق والمواطنين جميعهم مثل المتهمين، هذا الشعور يضر بحالة التعاون المفترضة بين المواطنين على مختلف مواقعهم والتي من دونها لن تنجح السياسات والتقاليد العامة للبلد والمجتمعات والمؤسسات.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018