نهجان متعارضان في تعاطي "الغرب" مع "الشرق"

حازم صاغية

     بات مما يتفق عليه المراقبون، الاوروبيون منهم والاتراك، ان نتائج الاستفتاء الفرنسي الاخير على الدستور الاوروبي لن تخدم الحظوظ التركية في الاندماج باوروبا. ويقدر، في الوقت نفسه، للانتخابات الالمانية المبكرة ان تدفع في الاتجاه ذاته. ذاك ان مباشرة التفاوض في ظل حكم اشتراكي ديمقوقراطي متعاطف، هو غيره في ظل ادارة مسيحية ديموقراطية، اشد انصاتاً للمشاعر القومية الشعبوية والدينية المعارضة لتلك الخطوة.

     مع هذا، واذا ما وضعنا المجريات السياسية جانباً، وهي عرضة دائما للصعود والهبوط، يبقى ان اوروبا اجترحت في سياستها التركية نهجاً غير مسبوق في الانفتاح على "الشرق". ولتقدير المدى الذي بلغه النهج المذكور وأهمتيه، يكفي قليل من المقارنة والتذكير. اذ فيما كان الاوروبيون يضعون "اوربة" تركيا على جدول اعمالهم، ويطلقون الى جانبها عملية برشلونة للشراكة الاوروبية - المتوسطية (التي ابتدأت في العام 1995)، كانت الولايات المتحدة الاميركية تمعن في اتباع نهج عسكري وحربي، بلغ ذروته في العراق بعد افغانستان.

       وهما، والحق يقال، طريقتان متعارضتان في التعامل مع ما سماه البعض "صراع حضارات"، ومال بعض اخر الى تسميته "حوار حضارات".

ففي تركيا ومعها، ساد نهج سلمي، يفضي الى ضم الاخر، عبر اشراكه في المنافع الاقتصادية. وفي الوقت نفسه، حمله على تبني تعددية اكبر حيال المعارضين، والمغايرين دينياً واثنيا، وعلى استدخال جرعة اعلى من احترام حقوق الانسان عموماً.

وفي العراق ومعه، ساد نهج حربي وانفرادي، لم يجد تغطيته في اي قانون دولي، بحيث ملئت الفراغات بكم لا يحصى من الاكاذيب عن اسلحة الدمار الشامل. وبدل النجاح في نقل القيم العصرية والحديثة الى العراق، اساءت الحرب الى طرق اشتغال القانون في البلدان الغربية نفسها، فبدت السياسات الحربية تنطوي على خيانة لارادة المقترعين، وتحايل على الرأي العام. هكذا، صير الى تشويه النموذج الغربي الديموقراطي المتقدم الذي يراد تصديره.

ولان النهج الاوروبي حيال تركيا يخاطب المصالح والمنافع فيما يستبعد العنف، فقد رأينا ثماره على اكثر من صعيد وجبهة: من اعتدال "حزب العدالة والتنمية" الاسلامي وانضباطه بالدستور والقوانين المعمول بها، الى التحسن الاجمالي الذي اصاب الاقتصاد التركي. ومن الاقرار بحقوق ثقافية ولغوية للاكراد وتقديم تنازلات لمجموعة حقوق الانسان، الى اعادة محاكمة عبد الله اوجلان، زعيم "حزب العمال الكردستاني"، على نحو ارفع استجابة لشروط القانون واملاءاته.

     هذا النهج ليس قليل الكلفة والتطلب للجهد. فالاوروبيون انما يعملون على ضم بلد لا يقع الا 5 في المئة من مساحته داخل قارتهم، فيما يقطنه اكثر من 70 مليون انسان، وهو عدد ليس من السهل استيعابه، فكيف وان هؤلاء مختلفون دينياً، وافقر من المتوسط الاوروبي، فضلاً عن ضعف التقليد الديموقراطي والدستوري لدى دولتهم، قياساً بدول اوروبا؟! ولا تقف المصاعب عند هذا الحد، اذ تنطوي الكتل الجماهيرية الضخمة في البلدان الاوروبية على مشاعر بالغة الحدة والعداء للانضمام التركي، وهو ما يعمل السياسيون والنخب الاقتصادية والثقافية على تذليله.

       في المقابل، ولان النهج الاميركي حيال العراق تأسس على العنف، رأينا الجميع في ذاك البلد المعذب يغرق في مستنقع دموي بشع ومتعاظم، بينما تتسع رقعة الارهاب، ويتنامى العجز عن مواجهته. ذاك ان العنف، وهو عكس القانون تعريفاً، يتناسل ذاته في صورة تلقائية لا تكف عن التوسع. هكذا، تضعف رغبة المعنيين جميعاً، تحت وطأة الموت والحقد والثارات، في تحكيم القوانين والاعراف المتمدنة في فض النزاعات، فيما تنمو الرهانات القاطعة والقطعية، التي تدفع الجميع الى هاوية بلا قرار. واذ يوضع القانون جانباً، وتحل المصالح المتعارضة حيث ينبغي ان تحل المصالح المتكاملة، تغدو الانصبة السياسية هشة، ويشرع باب النهب امام كل ذي شوكة قادر عليه، اكان اميركياً ام عراقياً. وهي مسألة شديدة الحساسية، خصوصاً ان تاريخ الاحتكاك الحديث بين "الغرب" و"الشرق" يشجع الكثيرين على الريبة، ويحضهم على قراءة الاحداث بعين المؤامرة. فكيف وان الادبيات النضالية والراديكالية في منطقتنا لا تركز الا على الشيء السلبي في ذاك التاريخ، كإقامة دولة اسرائيل في 1948 ودعمها لاحقاً، والاستعمار الاستيطاني في الجزائر. اما الايجابي في التاريخ اياه، كانتشار المدارس والمستشفيات، وبناء السكك الحديد والادارات والبنى التحتية، وانتشار عدد من القيم الحديثة في مجتمعاتنا، فهو مما يلفه التجاهل والتجهيل.

     وهذه، بدورها، من عوارض التعقيد الذي تنطوي عليه مجتمعاتنا، لا سيما في ما خص صلتها بـ"الغرب" المتفوق والمنتصر. فاذا كانت الحال هكذا، وجب الحذر من النهج الاميركي في العراق، الذي يفاقم الازمات بدل ان يحلها، بقدر ما وجب الاحتفال بالنهج الاوروبي في تركيا، والخوف من ان تغتاله ظروف سياسية كالتي شهدناها في فرنسا، وقد نشهدها، على نحو اخر، في المانيا.

      وربما جاز لنا ان نقول، بلغة اخرى، ان قبول منطقتنا التحديث، ومن ثم الحداثة، اهم من ان يترك امره للاميركيين في ظل ادارتهم الحالية. فالموضوع هذا يخص تقدم ملاييننا الذين لن يسعهم التقدم في ظل علاقة هائجة ومضطربة بـ"الغرب"، وهو يخص "الغرب" الذي لن يستقر به العالم المحيط، ولن يسلم بقيادته، ما دامت صورته الحربية والنزاعية تتقدم على صورته القيمية.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018