هل الاستغراب هو الجواب على الاستشراق؟

  في كتيبه الجديد "من الارتباك إلى الفعل: التحولات العالمية وآثارها العربية" (دار النهار، 2003)، يدعو غسان سلامة إلى تأسيس علم "الاستغراب"، الذي يضاهي من نواح كثيرة استشراق الغرب، الذي ترتبط فيه المعرفة بالسلطة، كما بيّن إدوارد سعيد في "الاستشراق". ويكتب غسان سلامة في خاتمة كتيبه السالف الذكر، وبتبسيط تفرضه العجالة، كما يقول، ما يلي: "علينا أن يكون لدينا استغراب يضاهي استشراقهم، فتكون معرفتنا بالغرب بمستوى دراسته الطويلة لنا ولأفكارنا ولمجتمعاتنا ولتاريخنا ولقدراتنا. وهذا يعني نقلة حازمة في نوعية تعليمنا. فإذا كان هاجسنا في القرن العشرين هو انتشار التعليم بمختلف مستوياته، فهاجسنا في القرن الجديد يجب أن يتركز على إنتاج المعرفة، وليس الاكتفاء بانتشار ما هو متوفر لنا منها، على أكبر عدد من أبنائنا. وإنتاج المعرفة يبدأ بالتعريف الدقيق، العلمي، الرصين عن الآخر، وعن الآخر الغربي بالذات".

      ما يدعو غسان سلامة إليه، أن تكون معرفتنا بالغرب معرفة دقيقة، ورصينة على حد تعبيره، وليس مجرد "غربنة" للغرب، وذلك على غرار "شرقنة" الشرق، بحسب توصيف إدوارد سعيد، الذي راح ينعى بدوره غياب المؤسسات الفكرية في الشرق العربي التي تجعل من الغرب موضوعاً للدراسة. يقول سعيد: "إنها لصدمة موقظة أن نجد، على سبيل المثال، أنه فيما توجد عشرات من المنظمات لدراسة الشرق العربي والإسلامي في الولايات المتحدة، فليس ثمة مؤسسة واحدة في الشرق لدراسة الولايات المتحدة، وهي أعظم المؤثرات الاقتصادية والسياسية إطلاقاً في المنطقة. وأسوأ من هذا، لا يكاد يكون ثمة معهد ذو مكانة، حتى متواضعة، في الشرق مكرس لدراسة الشرق نفسه". ويضيف سعيد في كتابه "الاستشراق": "إنه ليس ثمة من مؤسسة تعليمية عربية واحدة قادرة على مضاهاة أماكن مثل أكسفورد وهارفارد وجامعة كاليفورنيا أو جامعة لوس أنجليس في دراسة العالم العربي، دع عنك أي موضوع آخر غير شرقي".

       إن غياب المؤسسات الفكرية والتعليمية العربية التي تجعل من الغرب موضوعاً للمعرفة والدراسة هو ما يقلق غسان سلامة، الذي يجعل من هذا الغياب شاهداً على عجز مزمن، وركود علمي في مؤسساتنا التعليمية، التي تحتاج، من وجهة نظره، إلى نقلة نوعية وحازمة، تدفعها إلى إنتاج المعرفة لا استهلاكها، وإلى معرفة الآخر الغربي لا تقليده أو القياس عليه، كما هو دأب الفكر العربي وديدبه في القرن المنصرم وما قبله، وهذا هو دور علم الاستغراب، الذي سبقه في الدعوة إليه حسن حنفي مع بداية عقد التسعينيات من القرن المنصرم. ففي كتابه "مقدمة في علم الاستغراب" (1992)، والذي أخذ صيغة بيان من أجل الاستغراب، راح حسن حنفي يتساءل: ماذا يعني علم الاستغراب؟. ومن وجهة نظره، التي تلتقي مع وجهة نظر غسان سلامة، فإن علم الاستغراب يوضع في مقابل الاستشراق من جهة، و للرد على المركزية الأوروبية من جهة ثانية، وذلك بهدف ضرورة التحول من النقد إلى الإبداع.

      ما يقلق حنفي هو انتشار ظاهرة التغريب، والتي يمتد أثرها ليس فقط إلى الحياة الثقافية وتصوراتنا للعالم، والتي من شأنها أن تهدد استقلالنا الحضاري، بل امتدادها إلى أساليب الحياة اليومية ونقاء اللغة ومظاهر الحياة وفن العمارة...إلخ. ولذلك، فهو يهدف من وراء وضعه لأسس وقواعد علم الاستغراب، إلى الوقوف في مواجهة التغريب المستشري في حياتنا، الذي تقوده ما سمّاها بنجامين باربر "أحصنة طروادة الجديدة"، التي هي امتداد مباشر لثقافة "عالم ماك"؛ أي عالم الثقافة الأميركية المعولمة، وعلى جميع الصعد الحضارية واليومية، وإلى الحد من حضور الاستشراق في حياتنا (يربط إدوارد سعيد تفشي الاستشراق في حياتنا بتفشي ظاهرة الاستهلاك). من هنا تأكيد حنفي مراراً على أن الاستغراب هو الوجه الآخر، والمقابل، والنقيض للاستشراق. فإذا كان الاستشراق هو رؤية الأنا (الآخر الغربي) للشرق، فإن ما يهدف إليه علم الاستغراب هو فك العقدة التاريخية المزدوجة بين الأنا والآخر، وكذلك الجدل بين مركب النقص عند الأنا ومركب العظمة عند الآخر، ووضع حد لظاهرة الاجتياح الثقافي التي يقوم بها الغرب للشرق، والتي تدعو إلى مزيد من القلق، الذي يعكسه حنفي وسلامة وسعيد معاً.

      يدرك حنفي أن الاستغراب لن تكتب له الغلبة بين ليلة وضحاها، فهو يحتاج إلى أجيال من الباحثين على حد تعبيره، وإلى جيل من المتعلمين تعليماً جديداً كما يقول غسان سلامة، وذلك بهدف جعله "تياراً عاماً في البلاد"، كما يقول حسن حنفي. وعندها، ومن وجهة نظر حنفي، سوف تحدث أمور كثيرة، منها السيطرة على الوعي الأوروبي، أي احتواؤه بداية ونهاية، وذلك من خلال دراسته على أنه تاريخ وليس خارج التاريخ، ومنها إيقاف الغزو الثقافي الذي يتعرض له العالم العربي الإسلامي، والذي يروج له الكثيرون تحت راية الحداثة والعولمة، وهذا ما يثير قلق حنفي وهو يراقب التشوهات الفكرية والثقافية التي طالت الثقافة العربية. وهو يكتب: "أصبحت الثقافة الغربية في ثقافتنا المعاصرة ظاهرة تدعو للانتباه. فالعلم هو الذي يعلم التراث الغربي، والعلم هي المعلومات الوافدة من الغرب. بل ولا يستطيع الإنسان أن يكون مجدداً إلا إذا تعلم الوسائل الغربية. أصبح العلم نقلاً، والعالم مترجماً، والمفكر عارضاً لبضاعة الغير. ووجدت طبقة هشة من الأفكار والمذاهب والنظريات طائرة فوق الواقع، لا هي مستمدة من الموروث القديم ولا هي نابعة من الواقع المباشر وتنظير له. وتتضارب المعلومات، وتتعارض النظريات، ينفي بعضها بعضاً، ويحار الباحث أمام العديد من هذه الأفكار والمذاهب المنتشرة فوق الواقع، المجتثة الجذور من أرضها، والمنتزعة من واقعها الخاص الذي نبتت فيه، كيف يختار؟ وما هي مقاييس الاختيار؟...".

      كان إدوارد سعيد قد حذّر في خاتمة "الاستشراق" من سوء الفهم الذي قد يلحق بنقده لنظام الاستشراق، والذي قد يفسر على أنه دعوة للاستغراب. فمن وجهة نظره "إن الجواب على الاستشراق ليس الاستغراب". لكن حسن حنفي يرى أن الاستغراب هو الجواب على الاستشراق، فهو يقع على الضد منه، لا بل إنه يصفه بأنه خير وسيلة للهجوم. فعلى الشرق أن يكف عن أن يكون موضوعاً للآخر، وأن يرفض الدخول إلى قاعة المحكمة الاستشراقية، والتعبير لإدوارد سعيد، التي لم تكف بعد عن سوق المزيد من الاتهامات للشرق، والتي نعثر عليها في خطاب إعلامي غربي مرذول، يستقي معظم بواعث التعبير عن هواجسه من المكتبة الصلبة والصلدة التي كوّنها الاستشراق عن الشرق، والتي قادت إلى شرقنة الشرق. وهذا ما يراه غسان سلامة، الذي يدعو إلى استغراب عربي يضاهي الاستشراق الغربي، ليكون فاتحة لعهد جديد مع جيل جديد، يقطع مع حالة الانبهار بالغرب التي عرفها الجيل الذي سبقه، ويؤسس بنفس الوقت لمعرفة جديدة بالآخر الغربي، لا تكون حكراً على النخبة بل تمتد إلى جيل بأكمله. والسؤال: هل ستشهد بدايات القرن الجديد بدايات علم الاستغراب؟ أم أن الأمر لا يزيد عن كونه "طوبى" من طوباويات الفكر العربي الإيجابية، والتي من شأنها أن تبشر بولادة علم الاستغراب؟

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018