"متحف الشهيد وصفي وسعدية التل" قريبا على الخريطة السياحية للأردن

تغريد السعايدة

عمان- "سلام على وصفي ومنه أزفه.. إلى شجر الأردن إذ مات واقفا... سلام على شيحان فوق جبينه... وفي قلبه حوران والقمح هفهفا"، هذه قصيدة قالها الشاعر المرحوم حبيب الزيودي في رئيس الوزراء الأردني الشهيد وصفي التل، الذي ما تزال ذكراه حديث ليالي السمر لدى كبار السن.
يترحم هذا وذاك على وصفي التل وأيامه المجيدة الجميلة، ويبكي هذا وذاك له ولماضيه الحافل. ولا يجد هؤلاء بعض العزاء إلا في زيارة منزله الكائن على طريق السلط، في منطقة الكمالية، بعد أن تحوّل هذا البيت "العظيم"، إلى متحف. فهو ذو جمالية خاصة، يستنشق منه الزائر عبق الماضي الذي كان فيه هذا المنزل "مصنعاً لرجال الوطن". ومن زواياه تتحدث الأسوار عن لمسات القادة والملوك في ذلك الوقت.
بُني بيت وصفي التل في العام 1951 على مساحة لا تتجاوز الثلاثة دونمات آنذاك، إلا أنه، رحمه الله استمر في زيادة المساحة حول المنزل بين فترةٍ وأخرى، حتى وصلت إلى ما يقارب 28 دونما، كونه كان يهتم بالزراعة ويسعى لزراعة المحيط بالأشجار الحرجية والمثمرة، مثل شجر الزيتون والبلوط والسرو وغيرها.
هذا البيت تحوّل إلى متحف بعد وفاة زوجته سعدية التل في العام 1998، بناءً على وصيتها، إذ أرادت أن يتحول البيت إلى متحف ومزار، ليبقى أثيرُ التل منتشراً بين الأجيال.
ومنذ ذلك الوقت أُطلق اسم "متحف الشهيد وصفي وسعدية التل"، على المنزل، وكان في البداية تحت إشراف وزارة الثقافة. إلا أنه في العام 2012 تحولت مسؤوليته إلى أمانة عمان الكبرى، وتم عمل بعض الصيانة على المحيط فقط، ولم يحاول المسؤولون أن يمسوا بطبيعة المكان والمقتنيات حتى يبقى كما هو، كما يؤكد مدير المتحف في أمانة عمان، المهندس محمد الطرمان.
يقول الطرمان إن الأمانة قامت بعمل تعديلات على عدة مراحل، شملت المرحلة الأولى التمديدات الكهربائية وصيانة غرفة السيارة، فيما تشمل المرحلة الثانية التي تتم حالياً إنشاء وحدات صحية، وترميم وتأهيل غرفة الحراس "الأمن"، بالإضافة إلى توسعة المدخل الرئيس.
وخلال الشرح الذي قدمه المهندس نشأت المعادات لزوار المتحف من مختلف الأطياف والأعمار، تحدث عن حيثيات البيت وتفاصيله الدقيقة، ومن أبرزها أن بعض مرافق البيت بقيت على حالها منذ استشهاد التل في العام 1971، حيث قامت زوجته سعدية بإبقاء غرفة نومه ومكتبه كما هي، وتعمدت ترك غرفة النوم بعد ذلك، وفي ذلك صورة للوفاء الذي عايشته مع التل.
عند الدخول إلى المنزل من باب "القناطر" تستقبلك في ساحة البيت "نافورة مياه" صغيرة تبين مدى تأثر الزوجة سعدية بالطابع الحلبي في تصميم البيت. فهي ابنة قائد سوري من مدينة حلب. ومن اللافت في المنزل أنه لم يدخل في تصميمه أي نوع من الحديد والاسمنت، إنما تم بناؤه على الطراز القديم، وذلك من خلال خليط من "الدبش والصخور والحجارة الممزوجة بالطين المخلوط بالتبن والقش".
طريقة البناء تلك، والمزيج فيه، يمنحان الدفء شتاءً والبرودة صيفاً، خاصةً وأن البيت يتميز بإطلالة مرتفعة على جلعاد، مدينة السلط. ومن حرص التل على زراعة الأشجار الحرجية تم إطلاق غابة وصفي التل وزراعتها بالعديد من الأشجار الحرجية التي تتميز بها تلك المنطقة.
ومن ميزات المنزل الذي أسهم التل ببنائه بنفسه دون الاستعانة بالمهندسين، أن جدرانه تبلغ سماكتها 85 سم، وهو ما يوفر العزل المناسب للحرارة والبرودة.
ويوضح المعادات أن المنزل بني على ثلاث مراحل، أولها كانت غرفة الجلوس التي كان التل يجتمع فيها بالقادة والوزراء والضيوف، وفيها مجموعة كبيرة من التحف والطاولات النحاسية المميزة. كما أنها مطلة على بركة سباحة يستطيع الواقف فيها أن يرى الجبال والأشجار الحرجية الكثيرة، والتي زرع التل مجموعة كبيرة منها.
ويحوي المنزل "المتحف" الكثير من الصور التذكارية للتل مع عدة شخصيات سياسية وعائلية، أمثال المغفور له باذن الله الملك الحسين بن طلال، وحابس المجالي، وزوجته سعدية ووالده، وغيرهم من الضيوف والأصدقاء الذين لم يتوانوا عن زيارة البيت وساكنيه.
وفي غرفةٍ ذات سقفٍ متدنٍ وأبوابٍ قصيرة، تسمى "غرفة الخلوة" كانت تكشف طريق عمان السلط، هناك كرسيان فقط، ومكتبة صغيرة، وهي التي كان الراحل التل يجلس بها مع الملك حسين، في جلسات حوارية شهدت صناعة تاريخ كامل، في فترة كانت "عصيبة" في المنطقة.
وبيّن المعادات أن الكثير ممن عرفوا الشهيد التل تحدثوا عن "تعمده بناء الأبواب القصيرة، لأنه كان دائم الانحناء لله في كل شيء، على الرغم مما كان يتمتع به من طول القامة. إلا أن سقف المنزل كان مرتفعاً كفاية، كما في غرفة الجلوس التي تعد في حد ذاتها متحفاً مصغراً للكتب التي يبلغ عددها 2700 كتاب، والأسطوانات الموسيقية بعدة لغات، إذ إنه كان يتحدث خمس لغات عالمية.
ولغرفة "التشميس" قصة أخرى: لقد كانت ملجأ التل حين يباغته برد خريف تنسل منه شمس دافئة بين الحين والآخر، وكان سقفها من الزجاج، إلا أنه وبعد بناء الطابق الثاني تم إزالة ذلك الزجاج. كما أن المطبخ ما يزال يحوي الكثير من الأواني الفخارية والقديمة، وصحنا مليئا بالرمان جففته سعدية منذ وفاة التل لتبقى رائحة العائلة والحميمية في زوايا المكان.
الطابق الثاني للمتحف يضم غرفة نوم الضيوف التي أمست غرفة لسعدية الأرملة، التي هجرت غرفة نومها المشتركة مع زوجها التل، فهي منذ استشهاده تركتها وأغلقتها. بالإضافة إلى غرفة مكتبه. كما تضم غرفة النوم إطلالة مميزة يستشعر الزائر فيها أن التل كان متابعاً لجبال البلقاء ومحيطها، حتى وهو في غرفة نومه، واضعاً ملابسه العسكرية جانباً، بالإضافة إلى "الشماغ الأحمر" الذي لطالما اعتلى رأسه في المناسبات.
ومن نافذة صغيرة في غرفة المكتب الذي ضم كل خصوصيات التل، هناك إناء صغير كان التل يضع فيه الرز من أجل إطعام العصافير التي اعتادت على أن تزور مكتبه، فاجتمعت إنسانيته مع العصافير في غرفة مليئة بالأسرار السياسية والشخصية آنذاك. وفي المكتب الكثير من الأسلحة، من مقتنيات التل، والخزنة الشخصية، ودخانه، وآخر كبريت استخدمه" الشهيد.
وفي المكتب الخاص به هناك إذاعة مصغرة، كان التل يقوم فيها ببث الأخبار العاجلة والمعلومات التي يريد نقلها للملاً، نظراً لصعوبة الاتصال في بعض الأوقات. وما تزال أغراضه الخاصة الصغيرة ملقاة على تلك الطاولة التي لطالما جلس خلفها وخاطب فريقه العسكري أو الوزاري.
سيارة التل (الجاغوار) ما تزال تصطف في غرفتها الخارجية، تراقب الزوار دون حراك. فصاحب البيت غائب "فلمن هؤلاء الزوار"؟ ويخرج الزوار بعد ذلك ليلقوا نظرة عليها ويترحّمون على راكبها في زمانٍ مضى. وهنا يأتي الجواب، فبعض زائري البيت أكدوا أن "رغبة عارمة بالبكاء داهمت الكثيرين منهم لرؤيتهم منزل شخصية مؤثرة في تاريخ الأردن على مدار عقود".
وفي خارج البيت، وما بين الأشجار "الهرمة" يوجد الكثير من شواهد التل التي أنشأها بنفسه، كما يؤكد الكثير ممن عايشوه. فهو من كان يزرع ويغرس ويراقب عن كثب نمو شجيراته كما ينمو وطنه. إلا أن يد الغدر امتدت إليه ليكون بيته وأشجاره شاهداً على الوطن، ليمسي وصفي حديث هرماء الوطن وشاعريه، وصفحة تساؤل لمحبيه ممن لم يشملهم ذلك الزمن"الجميل المكتنف بالغموض".
ويشار إلى أن أمانة عمان الكبرى تنوي بعد فترةٍ وجيزة تجهيز المتحف ليكون جاهزاً لاستقبال الزوار من مختلف الجهات، بحسب الطرمان، إذ يؤكد هذا الأخير أن الزيارات ما تزال محدودة. وتنوي الأمانة كذلك وضعه على الخريطة السياحية للمملكة، ليصار إلى إشهاره والتعريف به أكثر.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018