تحفيز التفكير الإيجابي يمنع الخرف المبكر

عمان- إن الدماغ شأنه شأن بقية أعضاء الجسم ينمو بالتفكير السليم، إنه كالرياضة البدنية التي تقوي العضلات وتحافظ على حيوية بقية أعضاء الجسم. فاللياقة الدماغية تأتي من خلال قدرة الشخص على استيعاب المعلومات، وفهم العلاقات ووضع الخطط والاستنتاجات المنطقية، وصنع القرارات للسيطرة على واقعه والحياة.
ويمكن تطوير ذلك عن طريق التعليم واستمراريته وتحفيز الفكر، والتفكر لتحديات الواقع والمستقبل. وإطلاق العنان للمفكرين بدون قيد أو شرط ما دامت أفكارهم تصب في خدمة الإنسان، والمجتمع والنهضة به.
ويعَرف الإنسان بأنه الكائن المفكر الوحيد من بين بقية المخلوقات. والتفكير هو ترتيب الأمور في الذهن كي يتوصل الإنسان به إلى غاية مطلوبة فيكون علما أو شكا. وهو يتنقل من التساؤل إلى التأمل والتفسير والتحليل لغاية التدبير، ومن ثم التغيير، فهو المعالجة الذهنية لما يدور في مخيلة الإنسان من تصورات بقصد تحقيق هدف ما.
وإن لم يتم ذلك، يصبح التفكير مجرد حالة من (الوسواس والاجترار). كما هو الحال في المجتمعات المتخلفة ذهنيا والتي تتفشى فيها التأويلات والتفسيرات بدون الوصول إلى قدرة على التغيير في أحوالها.
وبالتالي فالنتاج الفكري يخدم سيطرة العقل على ظواهر العالم وسيطرة الإنسان على نفسه وواقعه، لصناعة مستقبله ومصيره. وأي حجر على العقل يرد الإنسان إلى مستوى النشاط العصبي الانفعالي وإشباع حاجاته البيولوجية فقط من خلال التفكير المقتصر على مستوى تلبية الحاجات الأساسية (الطعام، والشراب، واللباس، ومعالجة الأمراض)، وتحقيق متطلبات الرزق. فهنا يتم تعطيل نشاط الدماغ ولا يبقى فعالا منه إلا جزء صغير وهو ما يعرف بالهايبوثالاماس (غدة ما تحت المهاد). وظيفته تنظيم النوم، والجنس، والأكل، والانفعال (كلها وظائف غريزية كبقية الكائنات الأخرى)، فكم من البشر يعيشون في هذا الكون على مستوى الهايبوثالاماس في عالم يخلو من الاستحثاث الفكري والحجر على المفكرين؟!.
لقد أفل عصر اليقينيات الثابتة في الاقتصاد والعلم والصحة والسياسة والاجتماع...الخ. فكل شيء أصبح قابلا للتحول والتبديل. هناك تسارع وانعدام تأكد في كل هذه المجالات، ولذلك أصبح عمر التقنيات العلمية في تناقص مستمر، فلا تكاد تنتشر تقنية ما إلا وتكون بدائلها جاهزة. ذلك أن العلم يسير بشكل متسارع، فلم يعد هناك مجال للثوابت والقطعيات.
لقد أثبتت الدراسات العلمية أن البيئة التقليدية التي تخلو من المثيرات والمحفزات الفكرية تعمل على المدى البعيد على ترقيق القشرة الدماغية وبالتالي انحطاط الكفاءات الذهنية. وتظهر (أبحاث كوتولاك) كل نواحي قصور التفكير المنطقي البناء في صناعة القرار وحل المعضلات. وفي الوقت نفسه يتدفق السلوك الاندفاعي الانفعالي والمتمثل بالعنف، وبالتالي تدهور قدرات العقل على السيطرة على واقع الحياة والجنوح تجاه اللاعقلانية، مما يشكل خطورة على كيان الإنسان والمجتمع والعيش في أدنى مستويات المجتمعات حضاريا.
وفي دراسة (كين)، ثبت أن تشجيع التفكير الإيجابي وتحدي معضلات الحياة بالنهج الفكري الواقعي والتحليلي، ومن خلال الحوار البناء يزيد من النواقل العصبية في الدماغ (الاندورفين والدوبامين)، وكلاهما يؤديان إلى الشعور بالحيوية والطاقة والفرح والاستمتاع بالحياة.
و في دراسة (فيرغيس) الحديثة، وجد أن هناك ارتباطا طرديا بين الاستحثاث والتدريب الفكري في حل الأزمات والمعضلات والتحديات وتدنيا في نسبة حصول مرض ألزهايمر. من خلال دراسته الواسعة على مدى 4-6 سنوات، ذلك أن الاستحثاث الفكري يعمل على زيادة إفراز ما يعرف بهرمون نمو الخلايا العصبية ""nerve growth factor secretion . وكلما زادت اليقظة والفاعلية الذهنية زاد هرمون نمو الخلايا العصبية وبالتالي تنشيط الخلايا الدماغية وتنبيهها.
وخلق عصبونات جديدة يؤدي إلى تحسين الأداء الذهني كالذاكرة والانتباه والقدرة على الربط والاستيعاب والتقصي واتخاذ القرارات السليمة والمرونة العقلية. وكلما زاد نشاط الخلية زادت ارتباطاتها بالزوائد العصبية للخلايا المجاورة من خلال ما يعرف بـ(التبرعم للزوائد العصبية الموصلة التشابكية). وكل خلية عصبية دماغية واحدة لها القدرة على امتلاك ثلاثين ألفا من الزوائد الشبكية مشكلة كثافة عالية من النشاط الدماغي الكلي.
كما وجدت الدراسات الحديثة على الدماغ في (أبحاث جانسن)، أن تنشيط التفكير الإيجابي سواء أن كان تحليليا أو نقديا أو تأمليا أو رياضيا يزيد من تكوين الشبكات العصبية وارتباطاتها في الدماغ، ويزيد من خلق خلايا عصبية جديدة ومن كفاءتها وشجيراتها، مانعة أيضا من موتها وبالتالي حفظ الدماغ من الخرف الطبيعي ومن مرض ألزهايمر. وهناك تناسب طردي بين النشاط الفكري وتشكيل الشبكات العصبية وكفاءتها. كما وجد أن التلقين يؤدي إلى تصلب الدماغ، وتقليص الشبكات العصبية، وتدهور كفاءة الخلايا العصبية والذهن وبالتالي الخرف المبكر.

الدكتور محمد عبدالكريم الشوبكي
مستشار واختصاصي الأمراض العصبية والطب النفسي
www.altibbi.com

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018