ما الذي يدفع كوفي أنان إلى الاستمرار في مهمته؟

سيلفي كوفمان – (لوموند) 2012/5/6

 ترجمة: مدني قصري

ما الذي فكر فيه كوفي أنان عند مغادرته مكتب الرئيس بشار الأسد في دمشق، يوم الثلاثاء 29 أيار (مايو)؟ ما تزال سورية تترنح تحت صدمة المذبحة التي راح ضحيتها 108 مدنيين بينهم 49 طفلا، والتي ارتكبت في بلدة الحولة قبل ذلك اللقاء بأربعة أيام فقط، والتي قال فيها مراقبو الأمم المتحدة انها ارتكبت على أيدي مؤيدي الأسد. ما الذي يمكن أن يدور في رأس هذا الرجل البالغ من العمر 74 عاما، الممثل للمجاملة والدبلوماسية، عندما ينصت إلى الرئيس السوري الذي دان من دون حياء المجزرة وحمّل الآخرين المسؤولية عنها بكل برود. والفكرة التي تراوده هي أن مهمته في الجحيم السوري بات محكوما عليها بالفشل، وربما فشلت بالفعل.
هل سيبوح الأمين العام السابق للأمم المتحدة بشكوكه أمام أعضاء مجلس الأمن، يوم الخميس 7 حزيران (يونيو) في نيويورك؟ أم أنه سيتخلى عن مهمته؟ إن كوفي عنان الذي عُين قبل ثلاثة أشهر مبعوثا للأمم المتحدة وجامعة الدول العربية لسورية لم يصل حتى الآن إلى هذه الوضعية. فقد عرض في يوم السبت 2 حزيران (يونيو) في الدوحة، أول تقرير لمهمته على وزراء جامعة الدول العربية. تقرير من دون تنازلات قال معترفا في شأنه: "لم ننجح فيما خططنا له: وضْع حد للعنف المروع والشروع في عملية تحول سياسي انتقالي من شأنه تلبية التطلعات المشروعة للشعب السوري".
فإذا لم يكن هذا اعترافا بالفشل فهو يشبه الاعتراف على أي حال. فالخطة المتكونة من ست نقاط التي استطاع أن يقنع بالموافقة عليها  كلا الطرفين المتصارعين في سورية "لم تطبَّق"، هكذا قال لهم. إن وقف إطلاق النار الذي كان يفترض أن يلتزم به الطرفان منذ 12 نيسان (أبريل) "لم يصمد". والحال أن المعارضة قد قالت في النهاية في يوم الاثنين 4 حزيران (يونيو) أن وقف إطلاق النار لم يعد له وجود. فأكثر ما يستطيع كوفي أنان فعله هو تقديم بعض النقاط الإيجابية، كبعض التقدم الذي تحقق في مسألة منح تأشيرات دخول للصحفيين، ونشر 290 مراقبا من الأمم المتحدة ميدانيا؛ "عيون وآذان المجتمع الدولي". إن هؤلاء القبعات الزرق الذين لا يحملون سلاحا يُسجلون "العنف المروع" في الدوامة المدمرة، معرضين في ذلك حياتهم للخطر.
لقد حان الوقت إذن "لإعادة النظر جديا" في الأشياء، يضيف موضحا الدبلوماسي الغاني لوزراء جامعة الدول العربية، مع حس الكياسة الذي يميزه. "إن الوضعية في تفاقم". فما العمل تُرى؟
خطة جديدة
وفقا لمصادر مقربة من المبعوث الأممي سيقترح أنان على مجلس الأمن يوم الخميس شيئا آخر: فما دام من المتعذر في هذه المرحلة جلب ممثلي النظام السوري والمعارضة المنقسمة على نفسها إلى نفس الطاولة فإن الفكرة المفضلة هي أن تجتمع مجموعة من البلدان المعنية بطرق مختلفة بالصراع في سورية، إما لأنها طرف بشكل غير مباشر، أو لأن لديها مصلحة في السيطرة على هذه الأزمة.
والأمر يهم تركيا والعربية السعودية وقطر وإيران والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس أمن الأمم المتحدة (روسيا والصين والولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا وبريطانيا العظمى) والتي ينبغي أن تنضم إليها منظمة الأمم المتحدة نفسها، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي إن لزم الأمر. فمن خلال إنشاء فريق الاتصال هذا، يأمل الأمين العام السابق في جعل البلدان التي لديها نفوذ في سورية - إيران وروسيا على نظام بشار الأسد، والمملكة العربية السعودية وقطر على المعارضة التي يسلحانها ويموّلانها – تمارس ضغوطا مباشرة على "عملائها" في الطرفين لإيجاد مخرج للحرب الأهلية. ففي تكتم إذن يعمل كوفي أنان على وضع هذه الخطة موضع التنفيذ.
جلوس ممثلين من إيران الشيعية ومن المملكة العربية السعودية السنية حول طاولة واحدة يمثل تحديا حقيقيا أمام هذا البناء. فالجميع يقر في دوائر الأمين العام السابق أن ثمة "عملا كبيرا لا بد من إنجازه" للوصول إلى ذلك الهدف. والجميع يقول إنه يجب أن يزوَّد  أطراف النزاع بسُلّم لكي يحاولوا الخروج من أعماق الهاوية".
المفتاح الروسي
إن روسيا التي عارضت مرتين، على غرار الصين، قرارات مجلس الأمن بشأن سورية تبدو اليوم هي المفتاح الحقيقي للأزمة. فكوفي أنان، حسب مصادره، لا يزال يأمل في تطوّر خطته نحو الأفضل. ففي سورية لاحظ الأمين العام من خلال مهمته أن الروس المتواجدين بكثافة في الخبرات والمعدات قادرون على ممارسة تأثير حقيقي على دمشق. فالروس يرغبون على الجبهة الدولية في أن يستعيدوا دورا قياديا، كما كان شأنهم في أيام الحكم السوفييتي، عندما كانت موسكو لاعبا رئيسيا في الأزمات الدولية الكبرى. فالدبلوماسي الغاني يميل إلى إعطائهم هذه الفرصة: "إذا كانوا يريدون أخذ زمام المبادرة فليأخذوها!"، هكذا يقول أنان من حوله، مع قناعته أن الروس "ليسوا "متزوجين" ببشار الأسد"، ولا يعارضون مرحلة انتقالية في دمشق لا مكان للرئيس السوري الحالي فيها.
لكن الانتقال إلى ماذا؟ إنه السؤال الحقيقي، وهو أيضا السؤال الذي تطرحه روسيا التي تريد بأي ثمن أن تتجنب فتح طريق أمام جماعة الإخوان المسلمين في دمشق. كما يراودنا الإحساس أيضا أن موقف موسكو في رأي فريق كوفي أنان، يوفر ذريعة مريحة للدول الغربية التي لا تملك لا الرغبة في التدخل في سورية، ولا خطة "ب" ولا حتى خطة "أ".
ثم إن كوفي أنان نفسه حجة مناسبة أيضا. لأنه  ما دام أنان يلعب دور الوسيط فإن المجتمع الدولي يظن أن أنان يستطيع أن يخفي عجزه. لماذا ما يزال أنان، بعد مأساة رواندا التي لم يتمكن من الحيلولة دون حدوثها، عندما كان رئيسا لعمليات حفظ السلام، وبعد سريبرينيتسا، وصدام حسين، لماذا ما يزال يركض نحو الأمام؟ "إنه يؤمن بهذه العملية"، يقول الأميركي جيمس تروب الذي خصص له كتابا في العام 2006 (أفضل النوايا: كوفي عنان والأمم المتحدة في عصر القوة العالمية الأمريكية). إن كوفي أنان يبغض الصراع كثيرا. ويعتقد اعتقادا راسخا أنه لو بذل الناس جهدا من أجل التحاور لأمكن تجنب الصراع. فهو يشعر أنه ملزم باستخدام كل ما في وسعه حتى يحقق ذلك.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Qu'est-ce qui fait courir Kofi Annan ?

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018