تهور الشباب في القيادة: اكتشاف ومغامرة واستعراض ثمنها العمر

معتصم الرقاد

عمان- "توفي شاب عشريني إثر حادث سير مؤسف بعد أن انقلبت به السيارة على الطريق الذي كان يقود فيه بسرعة جنونية".. إنه خبر مأساوي، كثيرا ما يتم تداوله عبر نشرات الأخبار وعلى صفحات الجرائد، ويكون ضحيته شاب في مقتبل العمر.
العشريني سمير محمد واحد من الشباب الذين يستمتعون بقيادة السيارة بسرعة كبيرة؛ حيث يشعر بمتعة كبيرة، يقول "أقود بسرعة كبيرة وأحاول أن لا تصل إلى مرحلة الجنون والتهور، ولكنني أتعمد حينما تكون الطريق ملائمة للقيادة بزيادة السرعة لأسبق المركبات التي أمامي".
ويلفت سمير إلى "أن لدى كل شاب حبا لقيادة المركبة، وأنا أشعر بأنني أقود بفن وحرفية أكثر من أصدقائي".
اختصاصيون يحيلون ظاهرة تهور بعض الشباب أثناء القيادة إلى غياب الوعي والرغبة في الاكتشاف والمغامرة والاستعراض، مبينين أن  المشاعر الانفعالية التي تولد السلوكات الخطيرة والسلبية تسيطر عليهم بدلا من التعامل مع الأمور بعقلانية وتوازن.
دراسة حديثة أجريت في الأردن، أظهرت أن الذكور والعزاب وصغار السن هم الأكثر عنفا على الطرقات خلال قيادتهم للسيارة في المملكة.
وعددت الدراسة، التي أعدها أستاذ علم الاجتماع في جامعة مؤتة ذياب البداينة، وشملت ثلاثة آلاف و77 سائقا، بعضا من الخصائص الشخصية السلبية التي تميز سائق السيارة الذي يتسبب بحادث سير؛ منها الرعونة، وعدم الاكتراث بالآخرين.
كما أشارت الدراسة إلى السلوكات التي يكثر انتشارها بين هذه الفئة؛ ومنها القيادة تحت تأثير الكحول والمخدرات، واستعمال الهاتف أثناء القيادة، وقيادة الغفلة وصرف الانتباه بسبب الحديث أو تناول الطعام أثناء القيادة.
ويأسف الأربعيني جمال مصطفى على ازدياد الحوادث المروية خلال السنوات الماضية، لافتا إلى أن هناك شبابا متهورين ويعشقون السرعات الجنونية وقطع الإشارة والتفحيط بدون أن يدركوا بأنهم يعرضون حياتهم بحركات قاتلة تكون حياتهم ثمنا لها.
ويفسر اختصاصي الطب النفسي الدكتور محمد الشوبكي، زيادة السرعة أثناء قيادة السيارة من قبل الشباب، نتيجة "الخواء النفسي وافتقادهم للأفكار الإيجابية والثقافة المعرفية والسلوكية"، منبها على ضرورة تعزيز النفس بما يفيد العقل.
والتهور في قيادة السيارة يعد قضية خطرة لا تمس الشباب فقط، وإنما كل من يخرج الى الشارع، وفق الشوبكي، الذي يؤكد أن التهور يكون نتيجة لقلة النضج عند شباب يعرضون حياتهم وحياة غيرهم للخطر، وبسبب سيطرة المشاعر الانفعالية التي تولد السلوكات الخطيرة والسلبية بدلا من العقلانية في التعامل مع مناحي الحياة كافة.
الدراسة التي أعدها البداينة، أعطت نسبة تقريبية لعدد السيارات في كل محافظة، وبينت أن متوسط العنف على الطرقات كان أكثر عند الذكور منه عند الإناث، وأكثر عند العزاب مقارنة ببقية الفئات الاجتماعية الأخرى، ولدى صغار السن مقارنة مع كبار السن، ومتوسط العنف على الطرقات كان أكثر عند الأقل تعليماً، وعند العاطلين عن العمل.
وأرجعت الدراسة هذه النتائج إلى البعد الثقافي والتنشئة الاجتماعية في المجتمع؛ حيث تميل فئات الشباب عموما للخروج على العرف، وسلوك العدوان ليس من السلوكات الأنثوية في المجتمع، وإنما يرتبط بالذكورة.
وهادي العلي (30 عاما)، شاب يرى أن قيادة السيارة لدى معظم الشباب أصبحت هواية يمارسونها ويتجاوزون من خلالها كل الحدود، مما يؤثر سلبا عليهم وعلى أبرياء لا ذنب لهم سوى أنهم تواجدوا في المنطقة ذاتها التي يقود فيها شاب متهور سيارته.
ويحيل العلي سبب ممارسة الشباب القيادة بسرعة كبيرة، إلى التباهي والاستعراض أمام أصدقائهم بأنهم محترفو قيادة وأن لا أحد يستطيع تقليد حركاتهم في "التفحيط" بالشارع.
هذه المرحلة تمتاز باندفاع الشباب نحو الاكتشاف والمغامرة، وينقادون نحو التقليد والمحاكاة للنماذج غير الاعتيادية في السلوك، وفق أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين محادين، الذي يذهب إلى أن الشباب يمتثلون في سلوكاتهم الظاهرة؛ ومن بينها طريقة قيادتهم المتهورة للسيارات أو حتى في الحركات السياسية والفكرية عموما.
ويقول محادين إن مثل هذه المغامرات تحاكي هوياتهم الشخصية والنمائية؛ فشعور الشاب بالتفرد بممارسة معينة رغم خطورتها، تشعره بأنه قد أشبع إحساسا عميقا في الاكتشاف والمغامرة أو حتى الاستعراض.
غير أن هناك مسؤولية كبيرة على الآباء الذين يتحملون جزءا كبيرا من تهور أبنائهم في القيادة، بحسب التربوية أمل العلمي، التي تنوه إلى ضرورة تعليم الأبناء أصول القيادة الصحيحة وعدم التهور الذي قد يفقدهم حياتهم.
وتشير العلمي إلى أن هناك الكثير من القرارات العاطفية التي يصدرها الآباء تجاه أبنائهم في حالة وقوع حادث للسيارة، منوهة إلى ضرورة إصدار الآباء قرارات صارمة أحيانا من أجل أن يتعلم الابن المحافظة على المركبة بدون طيش أو تهور.
ويقع على عاتق الجهات المختصة دور مهم في اتخاذ إجراءات صارمة في تحرير مخالفات بحق كل من يقوم بقيادة المركبة بتهور حتى تكون رادعا في المرات المقبلة بعدم القيادة بتهور مرة أخرى، حتى لا تزيد نسبة الحوادث.
وهناك دراسة لإدارة السير المركزية، أكدت ارتفاع معدل الحوادث المسجلة العام 2010 بنسبة (14 %) مقارنة مع 2009؛ حيث شهد العام 2010 ارتفاعاً في عدد الحوادث بمعدل 27 % مقارنة بالعام 2007.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018