الدبلجة: ريادة أردنية تعاني من اتّساع المنافسة وانتشار اللهجة العامية

منى شكري

عمّان- عند الحديث عن الدبلجة تحضر بقوة المسلسلات الكرتونية التي ما تزال ذاكرة الطفولة تختزن غالبية أصوات شخصياتها، والتي كان للتجربة الأردنيّة فيها بصمة مميزة بلغت أوجها في الثمانينيات.

وبالرغم من ريادة الأردن في هذا الفن إلا أنه بات يشهد فيه تراجعا؛ لعوامل يعزوها عاملون في المجال إلى التكلفة الاقتصادية وتزايد شركات الإنتاج واتساع المنافسة وانتشار الفضائيات واللجوء إلى اللهجات العامية.

ومصطلح الدبلجة المستقى من الكلمة الفرنسية "دوبلاج" يستخدم للدلالة على التعريب الصوتي للإنتاجات الفنية التلفزيونية والسينمائية ذات الأصل الأجنبي كالمسلسلات والأفلام.

يُعد المخرج والفنان والمنتج اللبناني المعروف نيقولا أبو سمح رائد الدبلجة في العالم العربي، ليس لأنه أول من دبلج الكرتون، بل هو أيضاً أول من قام بدبلجة المسلسلات المكسيكية إلى اللغة العربية في أوائل التسعينيات بدءاً من مسلسل "أنت أو لا أحد"، بالإضافة إلى عدد كبير من مسلسلات الكرتون منذ السبعينيات مثل؛ مغامرات السندباد، ومغامرات الفضاء، والسنافر وغيرها بأصوات نخبة من ألمع نجوم الدبلجة في لبنان أمثال؛ وحيد جلال، عبدالمجيد المجذوب، أنطوانيت ملوحي، ألفيرا يونس، سميرة بارودي، جوزيف نانو.

ويذكر أن الكويتيين أسهموا بتمويل دبلجة مجموعة من أهم مسلسلات الكرتون، بخبرات لبنانية أيضا، وتحديداً في استديوهات بعلبك مع المخرج وئام الصعيدي.

مشوار الأردن مع دبلجة مسلسلات الكرتون بدأ مبكرا في الثمانينيات على يد المخرجين نصر عناني، حسن أبو شعيرة، عدنان العوامله، موسى عمار، وكان من أوائل أعمالهم "أبطال الملاعب" الذي أدى الدور الرئيسي فيه الفنان زهير النوباني، كما سطع في هذا المجال نجم مجموعة من الفنانين الأردنيين أمثال؛ إيمان هايل، أمل الدباس، محمد القباني، أنور خليل، محمد القوادري، ريم سعادة وغيرهم.

ولعلّ أشهر الشركات الأردنية في هذا المجال المركز العربي، ومؤسسة التسويق والإنتاج الإعلامي وهي شركة عريقة في مجال الدبلجة في الأردن، قدمت العديد من المسلسلات الكرتونية، فضلا عن المسلسلات المكسيكية والكورية والبرامج الوثائقية، وحالياً تقوم بدبلجة المسلسلات الكرتونية التي تعرض عبر قناة "MBC 3" مثل؛ "سبايدر مان" و"صائدو الأشباح" وغيرها.

والملاحظ أنه في عصر الفضائيات أصبحت المحطات نفسها في الغالب هي التي تتولى عملية الدبلجة، بدءا من شراء الحقوق من الجهة المنتجة حتى عرض العمل، ما شكل انحساراً لدور الشركات الأردنية المتخصصة في هذا المجال.

في هذا الإطار يقارن رئيس قسم إخراج الدراما في الإذاعة الأردنية نصر عناني بين الحضور الأردني القوي في الدبلجة سابقاً وتراجعها في الوقت الحالي، مشيراً إلى أن هذا النشاط كان عائداً لوجود دور فاعل للقطاع الخاص الذي كان يقوم بشراء العمل ودبلجته وتسويقه، أما الحال الآن فقد تبدّل؛ إذ أصبح للمحطات سطوتها من خلال شراء كمّ من الأعمال الدرامية أو الكرتونية ومن ثم تتكفل هي بدبلجتها وتسويقها وبثّها على قنواتها، منوهاً إلى أنها تدبلج "ما يتوافق مع خطّتها وتوجهاتها وما يعرض على فضائيتها".

من جانبها توضح الفنانة الأردنية ريم سعادة التي ما يزال صوتها يرسخ في ذاكرة كثيرين من خلال الكمّ الكبير من الأعمال المدبلجة التي قدمتها، أن معظم أعمال الدبلجة في البداية كانت تتم في الأردن وبعضها كان في لبنان، مؤكدة أن الأردن كان من "السبّاقين والمتميزين في هذا المجال"، مرجعة ذلك لـ "الحرفيّة والمهنيّة التي تميز بها الفنان الأردني، فضلاً عن إتقان اللغة العربية الفصحى والنطق السليم لمخارج الحروف".

وبخصوص ما طرأ على الدبلجة الأردنية من تراجع فتعزوه سعادة

لـ "انتشار اللهجات المحلية؛ فكل دولة عربية أصبحت تهتم بدبلجة أعمال كرتونية أو درامية بلهجتها".

انتشار الفضائيات والمنافسة فيما بينها شكّل منافساً قوياً للدبلجة الأردنية، وفق سعادة التي تشير إلى أن كثيراً من الشركات أو المحطات أصبحت تتولى هذا العمل من دون الاكتراث للصوت ومطابقته لحركة الشفاه ما أثر في تراجع مستواه بشكل عام.

من جهته لا يحبّذ عناني التوجه نحو دبلجة أعمال درامية باللهجة الأردنية لا لمثْلبة فيها وإنما "انطلاقاً من ضرورة المحافظة على اللغة الفصحى التي تربط الشعوب العربية".

وجاءت التجربة الأردنية التي توقفت لفترة مع بداية التسعينيات متزامنة مع التجربة الخليجية المستقلة التي تولتها مؤسسة الإنتاج البرامجي المشترك التي دبلجت عدداً كبيراً من الأفلام والمسلسلات الكرتونية مثل؛ "عدنان ولينا" و"الليدي أوسكار"، إضافة إلى تجربتها المميزة في البرنامج الشهير "افتح يا سمسم" الذي تضمن أيضاً دبلجة لأصوات الدمى.

أما التجربتان السورية والمصرية فبدتا أقل حضوراً في البداية، فمنذ التسعينيات اتخذ الأمر منحى مختلفا، ففي الوقت الذي كانت فيه اللغة العربية الفصحى هي المعتمدة لجأ المصريون إلى اللهجة العامية في دبلجة أفلام ومسلسلات الكرتون لعلّ أشهرها إنتاجات شركة ديزني مثل؛ فيلم ومسلسل "علاء الدين" وفيلم "الأسد الملك" الذي شارك فيه بصوته محمد هنيدي لتشتهر شخصيتا تيمونا وبومبي، وليفرد لهما على شكل مسلسل مستقل لاقى إعجاب الصغار والكبار على حدّ سواء.

مع بداية التسعينيات انصبّ التركيز على المسلسلات المكسيكية مثل؛ جوادا لوبي، رهينة الماضي، أنطونيلا، المستبد، وغيرها، لتهدأ هذه الموجة بداية القرن الحالي حتى كادت تختفي، وخلالها قام العرب أيضا بدبلجة أعمال يابانية وكورية وإيرانية.

هذا الهدوء كان على ما يبدو يخفي عاصفة أشدّ، نشهدها اليوم مع انتشار حمى الدراما التركية، وهذه المرة تولّى السوريون مهمة دبلجتها أسوة بأشقائهم المصريين باللهجة العامية السورية، وكانت البداية مع مسلسل "سنوات الضياع" الذي عرض عبر شاشة "mbc" ليشكل علامة فارقة على الساحة التلفزيونية بما عرف بموجة المسلسلات التركية.

ولعلّ اللهجة السورية التي اختارتها الـ"mbc" لدبلجة مسلسلي "سنوات الضياع" و"نور"، أسهمت في انتشارها بشكل أكبر، خصوصا أن المشاهد العربي تعلّق بها من خلال انتشار الأعمال الدرامية السورية وأشهرها مسلسل "باب الحارة". وهذا على ما يبدو شجّع على دخول لهجات عربية أخرى في هذا المضمار أحدثها دبلجة أعمال هندية باللهجة الكويتية.

وفيما يتعلق بدبلجة الأعمال التركية يرى عناني أن "الدراما السورية خسرت عندما قدّم فنانوها لهجتهم لهذه الأعمال"، عازيا ذلك إلى أن "المشاهد أصبح عنده إشباع بهذه اللهجة على حساب المسلسلات السورية الأصيلة؛ لأن أذنه اعتادت سماعها في الأعمال التركية".

من جهته يرى مسؤول متابعة الإنتاج في شركة الشرق الأدنى للإنتاج سلطان زوربا أن اللهجة السورية نجحت في دبلجة الأعمال التركية؛ "لأن الكاركتر الشامي أقرب إلى التركي، كما أن الأعمال السورية أكثر رواجاً من الأردنية ومن ثم فإن لهجتها أكثر شيوعاً".

اللهجة الأردنية ثقيلة عند دبلجتها، وخصوصا في حال كان الكاركتر غربياً؛ فالبيئة واللهجة الأردنية لا تتناسب مع دبلجة هذه الأعمال، وفق زوربا الذي يجد أن الفصحى هي الخيار الأمثل، غير أن هذا لا يعني أن التجربة مستحيلة "فهناك مشروع لدراسة موضوع الدبلجة باللهجة الأردنية، وسيتم عمل بروفة ودراسة الجدوى الاقتصادية لذلك"، مضيفا "يشترط في العمل أن يكون متوافقا مع بيئتنا وعاداتنا وأن يقدم فائدة للمتلقي".

من جانبها تنوّه سعادة إلى "أننا في الأردن غير قاصرين عن ذلك، فهناك كوادر مؤهلة من فنانين وفنيين"، لافتة إلى أن العاميّة الأردنية "لا تشكل عائقا في الدبلجة؛ فقد لاقت استحساناً من الجمهور العربي وبخاصة الأعمال البدوية، غير أن المشكلة تكمن في قلة إنتاج الأعمال المحلية وتسويقها". 

ويتفق معها في هذا زوربا الذي يوضح أن الأعمال السورية نجحت في الانتشار لغزارة إنتاجها ما أفسح المجال لتسويق ما تمّ دبلجته من دراما تركية، وكذلك الكرتون باللهجة المصرية الأكثر انتشاراً في الدراما والأغاني والسينما؛ "غير أن المُنتَج الأردني قليل نسبياً مقارنة بالإنتاج العربي ويصعب تسويقه فكيف ستتم دبلجة عمل باللهجة الأردنية أمام هذا التحدي الاقتصادي؟".

بخلاف الوقت الراهن الذي تضاعفت فيه الجهات المسؤولة عن الدبلجة يشير زوربا إلى أن قلّتها في السابق أفسحت المجال للساحة الأردنية أن تبدع وخصوصا أن الفنان الأردني "يمتاز بإتقانه اللغة العربية كما أن مخارج حروفه واضحة ومريحة للأذن"، لافتاً إلى أن السوق يخضع للعرض والطلب.

ويتابع زوربا "للدبلجة مصدران؛ إنتاج خاص يقوم فيه المنتج بشراء العمل الأصلي ومن ثم دبلجته وتسويقه، وآخر تنفيذي تعمد فيه المحطات لعرض العمل والتكفّل بنفقة دبلجته وتسويقه".

ويضيف أن الإنتاج الأردني بالرغم من تواضع إمكاناته حاليّاً إلا أنه متألق وناجح، مشيراً إلى أن الشركات المحلية تدبلج للقنوات التي تسوق هذه الأعمال على قنواتها مثل؛ الجزيرة الوثائقية والجزيرة للأطفال والـ"mbc".

وتلفت سعادة إلى أن الهدف من الدبلجة "التسهيل على فئة لا تعرف لغة ما يبث من أعمال غير عربية، فضلاً عن الترفيه والترويج لثقافة الآخر"، مشددة على أن ذلك "ليس بديلاً عن الأعمال العربية التي تقدم بيئتنا وتراثنا".   

ولا يخفي عناني خطورة الدبلجة بالعامية بأي لهجة كانت، مستذكراً الأعمال المدبلجة بالفصحى والتي نشأ عليها جيل اعتاد لسانه نطق لغة الضاد وسماعها.

ويأمل عناني أن يتم التوجه لصناعة أعمال كرتونية تعرض تراثنا وتاريخنا العربي والإسلامي بدلاً من دبلجة أعمال بعيدة عن هموم

المواطن العربي وقضاياه، مستدركاً "هذا يحتاج إلى دعم من جامعة الدول العربية ومؤسساتها الثقافية المختلفة لرصد مبالغ مالية".

ومن الأعمال الناجحة التي تمّ دبلجتها بالفصحى في الأردن وفق زوربا المسلسل الكوري التاريخي "إمبراطور البحر" 2009/2008 من إنتاج شركة الشرق الأدنى وعرضته قناة دبي، والمسلسل المكسيكي"روزاليندا" قبل 6 أعوام الذي عرض على محطة "LBC"، أما عن أعمال الكرتون فهي أكثر من أن تحصى مثل "سالي" و"صاحب الظل الطويل" و"كاليميرو" وغيرها.

[email protected]

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018