قصائد تتحدث عن ضوء الشمس والنباتات وأخرى تفر وهي مجروحة الأنا

في مساحة رتبها الشعر والعيش المشترك لدول البحر المتوسط

 

زياد العناني

لوديف (فرنسا)- على دكة تقع قرب بيته المطل على مسجد "لوديف" يجلس الحاج الجزائري بوقاسم وحيداً مع تلك العصا التي يمكن أن نراها مطروحة أمام كبار السن في عمان أو دمشق أو القاهرة.

بوقاسم الذي غادر الجزائر في العام 1960 وحل في هذه المنطقة الجنوبية من فرنسا لم يسأل عن بلد عربي معين وفضل السؤال عن العرب وحين عرف أنه أمام مجموعة منهم لم يحفل بالشعر وجمالياته  وقال "الشعر لم يسهم في تحرير الجزائر".

ومن بين كلماته التي انزاحت الى لهجوية طريفة اللكنات، يلحظ المرء مساحة تسامحية وفرصة ربما رتبها العيش المشترك في مدينة صغيرة ثلث أهلها من الجزائريين والمغرب العربي ترى فيها تلك الجمهرات الصغيرة أمام البيوت التي تفوح منها رائحة الطعام المغربي الذي حل في قائمة المطاعم الفرنسية بلا منافس يذكر.

غير أن بوكريم وهو جزائري آخر ليس مسناً ولكنه يقول وجهة نظر عجيبة عن العلاقة بين الجزائر وفرنسا كما هي الآن مبيناً أن "ما حدث للجزائر في حقبة الاستعمار ومن قبل جيش فرنسي صغير يستعاد الآن في حقبة أخرى صار فيها ابن المغرب العربي يتكون ويكون مستعمرات عربية في قلب باريس وفي الجنوب الفرنسي تحديداً، ليفرض حراكه الاجتماعي وعاداته وتقاليده على عادات وتقاليد فرنسية بدأت تذوب من بعد ما شاخت وغربت شمسها".

غير أن هذه النبرة المتباهية التي تقال في لذة غزو الآخر سرعان ما تأخذ سمة الشحنة الكلامية حين نستحضر الحديث عن الثقافة العربية المغيبة خصوصا حين يدقق المرء في الأمسيات الشعرية التي تحدث في المدينة من غير أن يجد عربياً واحداً بين الجمهور الفرنسي الذي يختار الأمسيات الشعرية العربية عن قصد ويتابع كل برامجها الى درجة أن أحد المتسولين الفرنسيين لا تفوته أمسية من تلك الأمسيات إلا ويكون جالساً في الصف الأول مع كلبه الذي يستثمره في فعل التسول في سابقة لم نعهدها من قبل خصوصاً وأنه يستدر عطف الناس على الكلب وطعام الكلب وليس عليه.

على دكة يجلس الحاج بوقاسم وعلى دكة أخرى مماثلة يجلس بوكريم وعلى منبر صغير لا يشبه المنابر عندنا يجلس الشاعر اللبناني عباس بيضون ليقرأ قصيدة متعبة بتفاصيلنا الصغيرة والكبيرة معاً.

وبين ما يقال عن قصيدة التفاصيل التي تتسيد المشهد الشعري العربي الآن أكثر من خلل واضح يؤكد قول بعض الشعراء من خلال جزمهم بضرورة الربط بين التفاصيل التي تقع في هامش ما نعيش وبين الكونيات والقضايا الكبرى التي تحيط بمصيرنا العربي والانساني معاً.

وبين هذا وذاك تظهر لكل متابع تفاصيل أخرى يوجزها الشاعر العراقي سركون بولص بتشرده في مدن العالم من خلال القول "هرم البحار ولم  يجد المرافئ".

ثم يضيف وهو المعارض الهارب من نظام صدام منذ الثمانينيات "لم أعد معارضا بعد أن تمكن "بائع الثلج" عزة الدوري من مرغلة أنف أميركا في الوحل والتراب".

أما الشاعر سعدي يوسف فنرى في عينيه دمعة صادقة حين يبدأ بالحديث عن ملايين العراقيين الذين "خرجوا من بوابة المغادرين ولم يجد العائد  منهم أي أثر لبوابة العودة".

في لوديف تتكاثر المشاهد وتستحضر عذابات الأوطان العربية أمام شعب فرنسي لا مشكلة لديه تتعلق بالحريات أو الوطن، فالوطن موجود والماضي يؤكد معنى التحرر والتحرير عبر نحت حجري يمكث هنا أو هناك.

في لوديف تجلس وتستمتع عبر المترجمين لحساسية الشعر الفرنسي فتجد أن شاعراً ناهز السبعين من العمر يقرأ قصيدة عن الشمس التي خرجت في صباحه مبكرة جدا أو عن نبتة لم يتقدم نموها لأن التربة لها أكثر من سبب في عدم التعالق معها ربما لضعف كمية الضوء أو الهواء.

فيما يجر الشعر العربي كل محمولاته الموجوعة لقصيدة ترتع بالناغل والمؤلم ليكون مسار الكتابة أكثر من حادثة متخيلة وأكثر من صورة مجروحة "الأنا".

"تنقصنا ارادة العيش فنفر الى اللغة" هذا ما تقوله الشاعرة السعودية ريم الفهد. فيما يرى الشاعرالعماني زاهر الغافري أن الشعر العربي "لم يصل بعد الى اخضرار الشجرة وأن ما نكتبه يظهر في القصائد بمعزل عن حياتنا".

وهو رأى يؤكده الشاعر والكاتب خيري منصور عبر سخرية مريرة حين يقول: يسألون عن "نصي" فألتفت يميناً وشمالاً".

ويتابع منصور مستدركاً "ليس معي نص أو نص نصيص" أنا شاعر لم يعد يحول الوجود الشخصي الى كارثة".

وحين سأله أحد الفرنسيين حول امكانية مساهمة الشعر في صنع السلام بين العرب واليهود أجاب منصور "يمكن للشعر أن يصنع السلام بكل تأكيد إذا خرج الاسرائيلي من بيتي وأعاد سريري الذي ينام عليه ودفاتري المدرسية التي يكتب عليها أناشيده الكثيرة عن المحبة والوئام".

وتساءل منصور "كيف يمكن أن أصنع السلام في الوقت الذي يعود فيه الاسرائيلي الى بيتي وأعود (أنا) الى المنفى".

الى ذلك يبدو الشعر وكأنه مجرد سوء تفاهم كبير بين الشعراء وبين الجمهور الذي يمكن له أن يرتكب قراءة تأويلية ما تبعد النص عن مراميه وهذا أمر يحدث وسيظل يحدث ما دام الشعر يطير من مكان الى مكان من دون أن يتموضع في مدونة نقدية تستطيع أن تسبر أغواره وتفهم جمالياته المتعددة.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018