محمد مريض بالكلى والأخ المتبرع معتقل في"النقب"

قصة القوة والصبر وإرادة الحياة

 

 

جمانة مصطفى

  عمان - لم يقف جبروت المرض وتكاليف العلاج الباهظة وأسوار المعتقلات الإسرائيلية أمام رغبة الحياة النابضة في صدر الشاب محمد خالد مويس(24عاما) الذي غادر منذ أيام سريره في أحد مستشفيات عمان بعد أن لازمه منذ الخامس من تموز.

   غير أن القصة تعود إلى سنوات خلت، ففي العام 1999 بدأت علامات المرض تداهم جسد محمد، ومع الأيام ازدادت قسوة المرض ونهشه في الجسد العشريني، ما استدعى مراجعته لعدد من الأطباء، وعقب فحوصات أجراها حيث يقطن في مدينة "جنين" تبين إصابته بفشل كلوي حاد نتيجة نقص أنزيم محدد، ما استلزم، وبعد تفشي المرض، قيامه بثلاث جلسات غسيل للكلى أسبوعيا حتى رأى الأطباء ضرورة خضوعه لعملية زراعة كلى.

    وبالفعل فقد تمت العملية في أحد المستشفيات الخاصة في الأردن في العام 2000، إلا أنها لم تلبث أن باءت بالفشل ورجعت بمحمد لجلسات غسيل الكلى بعد أن ازدادت حالته الصحية سوءا. في هذه الأثناء تعرضت عائلته لضربة قوية حين هاجمت القوات الإسرائيلية شركة المواد الزراعية والمبيدات الحشرية المملوكة للعائلة ويديرها الأخ الأكبر لمحمد مهند(34عاما) والتي تمثل المصدر الرئيس لدخل الأسرة الكبيرة.

 إلا أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فقد قامت القوات الإسرائيلية عقب فترة قصيرة بتفجير العمارة المكونة من خمسة طوابق والتي تضم بالإضافة إلى مقر الشركة سكنا لأكثر من خمسين فردا من العائلة والأولاد والأعمام، وذلك بحجة أن المواد الكيماوية المستخدمة في المبيدات التي تتاجر بها الشركة تستخدم في صنع القنابل اليدوية، وفي تصاعد للمأساة اعتقل مهند إداريا وتم حجزه في سجن النقب.

    ويتحدث مهند عن ماهية السجن الإداري، فيقول "لا يتم بناء على محاكمة أو تهمة محددة، بل يخضع له من لم تجد لهم قوات الاحتلال الإسرائيلي تهمة واضحة لإبقائهم داخل السجن، ويتم تجديد فترة السجن كل ستة أشهر، حتى تمتد كما حدث مع بعض الحالات إلى عشر سنوات"، ويضيف "ضباط المخابرات الإسرائيليين ليسوا أناسا عاديين فمعظمهم على دراية بعلم النفس، إذ يعلم الضابط من الجلسة الأولى إذا كان المعتقل الفلسطيني سيتحدث أو لا، والتحقيقات تتصاعد حتى تصل إلى الضرب أو الاستمرار بتجديد السجن الإداري".

    وتتلاحق التداعيات في هذه الأثناء، فتسوء الأحوال المادية للأسرة خصوصا مع تفجير الشركة، كما تتدهور الحالة الصحية للأخ الأصغر محمد ما يدفع به إلى محاولات مستمرة للحصول على جهة تتكفل بمصاريف العلاج والعملية التي تصل قيمتها إلى 50 ألف دينار أردني في الأردن، وترتفع لتصل إلى ما يعادل 200 ألف دينار أردني في الدول الأوروبية.

    وتوافق السلطة الوطنية الفلسطينة بالتكفل بمصاريف العملية التي قدرت قيمتها منذ قرابة العام بـ50 ألف دينار، وذلك بناء على كتاب مفصل بمصاريف العلاج وجهه أحد المستشفيات الخاصة في الأردن للسلطة، ويقول محمد "بعد مراسلات استمرت لعام كامل شملت العديد من الجهات والمستشفيات في ألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبريطانيا والعديد من الدول العربية، حصلت على رد واحد من المستشفى الأردني بإجراء العملية مقابل المبلغ المذكور".

    وهنا ظهرت العقبة الأكبر فبعد عدة اختبارات حساسة للأنسجة شملت جميع أفراد العائلة، ثبت أن المتبرع الوحيد الذي تتطابق أنسجته مع أنسجة محمد ويصلح أن يكون متبرعا هو الأخ الأكبر مهند القابع في سجن النقب، وعلمت هذه النتيجة بعد اختبار أنسجة أجري لمهند في أحد المستشفيات الإسرائيلية تحت حراسة مشددة لم يلبث أن أعيد بعده بعدة ساعات إلى السجن.

    وعن تلك الأيام يقول محمد: "مشكلة تواجد مهند في سجن النقب لم تكن عادية، توجهنا إلى العديد من الجهات ووجهنا كتبا من المستشفى إلى جمعية حقوق الإنسان في إسرائيل، والتي ضغطت بدورها لمساعدتنا".

وبدأت رحلة أخرى في تذليل العقبات إلا أنها كانت الأصعب كونها مع الحكومة الإسرائيلية، مع محاولات طويلة ومضنية من الجمعيات الطبية التي ما انفكت ترسل كتبا توضح فيها دقة الحالة الإنسانية، بالإضافة إلى جهود متتابعة من جمعيات حقوق الإنسان للحصول على موافقة من الحكومة الإسرائيلية.

   ويسرد محمد ما حدث بالقول: "يتم تجديد مدة السجن الإداري، وبعد قرابة العام من المحاولات والكتب وافقت الحكومة الإسرائيلية على إخراج مهند من السجن كمبعد وبشرط ألا يعود لفلسطين إلا بعد مضي عامين على الأقل، وبالفعل تم إبعاده بعد أن أمضى ثلاثة وثلاثين شهرا إداريا في سجن النقب".

    في هذه الفترة كان الأخ الأصغر محمد بانتظار مهند لإجراء عملية زراعة الكلى، إلا أن الفحوصات الطبية أثبتت حاجته لإجراء عملية زراعة كبد قبل إجراء عملية الكلى، بعد أن ظهر أن فشل الزراعة الأولى كان نتيجة تلف الكبد الذي أدى لإتلاف الكلى، وهو ما سيتكرر إذا لم تسبق زراعة الكلى بزراعة الكبد، وأيضا كان مهند هو المتبرع المناسب نتيجة لموافقة الأنسجة.

    اليوم يرقد محمد على سرير الشفاء بعد أن خضع لزراعة الكبد وإلى جانبه أخوه الأكبر مهند الذي يقول: "كان الأمل الوحيد في وجه الله عز وجل، الحقيقة أن توقعات خروجي كانت ضئيلة جدا، لكن قدرة الله أكبر من كل شيء".

    ويصف مهند الأيام التي كانت تمر وهو متواجد في المعتقل وأخوه الصغير في الخارج مريض وبحاجة إلى تبرعه بالقول: "غاية في الصعوبة، الوقت يقتل الإنسان، فما بالك إذا كان مرور الوقت مصاحبا لإحساس بحاجة الأخ إليك"، ويضيف "أخبار أخي كانت تصلني عن طريق مجموعة من المحامين".

    وما يزال محمد ملتزما بجلسات غسيل الكلى حتى يخضع لعملية زراعة الكلية التي ستكون الأخيرة، إلا أن الناحية المادية أمست عائقا أمام العملية الثانية بعد أن ظهرت مصاريف جديدة للعلاج بسبعة آلاف دينار أردني، وما تزال محاولات محمد مستمرة مع عدد من الجمعيات الطبية والإنسانية للعثور على جهة تتكفل بالمبلغ المتبقي الذي يكاد ينهي مشوار التعب الطويل للشاب الذي رفض أن يتداعى أمام المرض والمصاعب الاستثنائية التي كانت كفيلة بزرع اليأس في نفس كثير من البشر.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018