مقاييس الأبعاد في التراث الجغرافي العربي

 

 

 
    يشكل التراث الجغرافي الإسلامي ثروة علمية عظيمة،وكانت الجغرافياوالفلك والرياضيات والفلسفة من أهم العلوم التي عني بها الأجداد لأسباب عديدة،وكانت المرحلة التاريخية الحضارية التي أبدع فيها علماء المسلمين هي الفترة الممتدة فيما بين القرنين الرابع والثامن الهجري،أي ما بين القرنين التاسع والثالث عشر الميلادي،وهذه الفترة هي عهد عصر التخلف الأوروبي.ويتطلب العمل الجغرافي تحديد المسافات والأبعاد والزمن لتحقيق الدقة التي لا بد أن تتصف بها الكتابات والدراسات الجغرافية،بل ولا غنى عنها في العلوم كافة.


    كتب شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أبي طالب الأنصاري الدمشقي (1256 – 1326م) في كتابه " نخبة الدهر في عجائب البر والبحر"عما جرى في عهد المأمون ( 786 – 833 م) من إرسال لعدد من أهل العلم والخبرة لمعرفة دور الأرض أي محيطها:"..ثم رجعوا وامتحنوا الذرع ثانية فوجدوا مقدار درجة واحدة من السماء تسامت من وجه الأرض وبسيطها ستة وخمسين ميلا وثلثي ميل،والميل أربعة آلاف ذراع،والذراع ثماني قبضات، والقبصة أربع أصابع،والإصبع ست شعيرات بطون بعضها إلى بطون بعضها،والشعيرة ست شعرات من ذنب البغل.فضربت هذه الأميال في جميع درجات الفلك وهي ثلاثمائة وستون درجة فخرج من الضرب عشرون ألف ميل وأربعماية ميل،فحكم بأن ذلك دور الأرض"، ويقول ابن خرداذبة ( توفي عام 300 هـ / 912 م ) في كتابه المسالك والممالك:".. فاستدارة الأرض في موضع خط الاستواء ثلثمائة وستون درجة والدرجة خمسة وعشرون فرسخا والفرسخ اثنا عشر الف ذراع والذراع أربع وعشرون إصبعا والإصبع ست حبات شعير مصفوفة بطون بعضها على بعض يكون ذلك تسعة آلاف فرسخ.." وفي ذلك ذكر وتفسير لعدد من وحدات القياس التي كانت في ذلك العصر،ولا يزال بعضها قيد التداول بطريقة أو بأخرى حتى الآن،كما يلاحظ أن كل وحدة قياس تشكل أساسا لوحدة القياس التالية لها.
   وتسعى السطور التالية إلى إلقاء الضوء على أهم وحدات القياس في الجغرافيا الإسلامية، وهي وفق طولها تصاعديا:


1. الإصبع :


    معروف.والإصبع واحدة الأصابع،وقيل أن عرضه9/10 قيراط أو 3/4 بوصة وطوله كما سبق ذكره مقدارعرض ست حبات من الشعير صفّت عرضيا إلى جانب بعضها، وبقياس ست حبات من الشعير،وقياس عرض إصبع يمكن القول أن عرض الإصبع نحو 2 سنتيمتر.


2 . القبضة :


    القبض خلاف البسط.والقبضة:ما قبضت عليه من شيء،وما أخذت بجمع كفك كله ( إذا كان بأصابعك فهي القبصة)،كما يسميها البعض الكف أي أنها أربعة أصابع.وعلية تقدر بنحو 8 سنتيمتر.


3. الشبر:


     الشبر:ما بين أعلى الإبهام وأعلى الخنصر وبذلك يبلغ طوله نحو23 سم،ويقال:يشبره شبرا كاله بشبره،وقيل:الخطوة كلها ثلاثة أشبار،وأن الشبر ثلاثة كفوف.يقول ابن جبير:".. ومن الركن الذي فيه الحجر الأسود إلى الركن العراقي أربعة وخمسون شبرا محققة،ومن الحجر الأسود إلى الأرض ستة أشبار..،ومن الركن العراقي إلى الركن الشامي ثمانية وأربعون شبرا محققة..".


4.الذراع:


      هو ذراع اليد.الذراع:ما بين طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى أي نحو 43- 48 سم.وقيل:الذراع أربع وعشرون إصبعا(أي نحو 48 سم)،وقيل:الذراع شبران،ويتراوح طوله كوحدة قياس حديث بين50 – 80 سم وفق البلاد ( ذلك الشامي 68 سم،والمصري 58 سم،والمعماري75 سم ،والبلدي 80 سم ).والجمع أذرع وذرعان. يقول ابن جبير:".. وطول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم،ثلاث مئة ذراع،وعرضه مئتان،وعدد سواريه ثلاث  مئه،ومناراته ثلاث..".


5. الخطوة :


     خطا:مشى،والخّطوة:ما بين القدمين،وقيل:الخطوة كل ما فيها ثلاثة أشبار أي نحو 70 سم.والجمع خطوات للقلة وخطى للكثرة.وفي السّير بعّد الخطوات يحتاج الرجل العادي إلى السير نحو 116 خطوة لقطع مسافة100 متر،ومن البديهي أن تختلف خطى الناس تبعا لأسباب أهمها أطوال سيقانهم.يقول ابن جبير ( 1144 – 1217م ) في  كتابه تذكرة بالأخبار عن اتفاقات الأسفار والشهير باسم رحلة ابن جبير:".. وقبة زمزم تقابل الركن، ومنها إليه أربع وعشرون خطوة،والمقام المذكور الذي يصلى خلفه عن يمين القبة،ومن ركنها إليه عشر خطا..".


6. الباع :


     الباع : قدر مد اليدين،وقيل:مسافة ما بين الكتفين إذا بسطتهما.والجمع أبواع. يقول المسعودي ( توفي 346 هـ / 957 م ) في كتابه أخبار الزمان:".. ويقال أن عمق هذا المحيط ( البحر المحيط ) يختلف فمنه ما لا يلحق قعره ولا يدري،ومنه ما يكون سبعة آلاف باع وأكثر وأقل.."


7. الغلوة:


     الغلوة :رمية سهم،ويقال:غلا بالسهم أي رفع يده يريد به أقصى الغاية وهو التجاوز، وغلا السهم نفسه:ارتفع في ذهابه وجاوز المدى وكذلك الحجر،وقيل:الغلوة مقياس يوناني نحو 145 خطوة أو 1/8 ميل.والجمع غلوات.والفرسخ التام خمس وعشرون غلوة.يقول ابن جبير في رحلته :".. وعلى مقربة من هذه الأهرامات بمقدار غلوة صورة غريبة من حجر قد قامت كالصومعة على صفة آدمي هائل المنظر وجهه إلى الأهرام وظهره إلى القبلة مهبط النيل،تعرف بأبي الأهوال..".


8.الميل :


    الميل من الأرض:قدر مد البصر،وقيل للأعلام المبينة في طريق مكة أميال لأنها بنيت على مقادير مد البصر من الميل إلى الميل،وقيل:الميل مسافة من الأرض متراخية،بلا حد، أو مئة ألف إصبع إلا أربعة آلاف إصبع،أو ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين،والميل الروماني 8 غلوات أو1000 خطوة مزدوجة.والجمع أميال وميول.يقول الإدريسي ( المتوفى عام 560 هـ / 1166م ) في كتابه نزهة المشتاق في اختراق الآفاق:".. وأهم جزر البحرين أوال وهي مسيرة خمسين مرحلة من بر الفرس وأربع مراحل من بر العرب طولها ستة أميال في عرض ستة أميال..".


9. الفرسخ :


    قيل:ان فرسخ كلمة فارسية معربة أصلها فرسنك،وقيل:إنها كلمة عربية حيث يقال : انتظرتك فرسخا من النهار( أي طويلا).وقيل:ان الفرسخ ثلاثة أميال والميل أربعة آلاف ذراع،وقيل:يعادل في عرف العصور الوسطى 3.25 ميل إنجليزي،وقيل:تعادل كل عشرة فراسخ مسيرة يوم،وقيل:الفرسخ أربعة أميال،والميل ثلاثة آلاف ذراع،أي أن الفرسخ يساوي اثنا عشر ألف ذراع أي أن الفرسخ نحو6 كيلومترات،وقيل:ان الفرسخ 10.000 ذراع، واعتبره اليهود قديما21.000قدم،كما قيل:أن الفرسخ سبعة آلاف خطوة.يقول ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك:".. فمن البصرة إلى جزيرة خاراك خمسون فرسخا،وهي فرسخ في فرسخ..".


10. البريد :


    البريد:فرسخان،وقيل:ما بين كل منزلين،ويقال:سكك البريد كل سكة منها اثنا عشر ميلا ، وبذلك يكون طوله 20.64كم يقول المقدسي ( توفي عام 390هـ / 1000م ) في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم:".. وتأخذ من دمشق إلى الكسوة بريدين ثم إلى جاسم مرحلة ثم إلى فيق مثلها ثم إلى طبريا بريدا،وتأخذ من بانياس إلى قدس أو إلى جب يوسف بريدا..".


11.السكة :


    السكة: هي طريق مستوية مصطفة من النخل،كما أنها الزقاق ، وقيل:الطريق المشجر والطريق المستوي،أما سكة البريد فيقال كما سبق:ان كل سكة منها اثنا عشر ميلا،كما يقال : ما بين سكتين فرسخان وقيل:أربعة ويبدو أن هذا هو الأصح. يقول ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك:".. بين غمرة وصنعاء تسع وأربعون سكة،ومن صنعاء إلى ذمار أربع سكك،وبين ذمار وعدن سبع سكك..".


12.مرحلة :


    المرحلة:المسافة التي يقطعها المسافر في يوم واحد،وتقدر بنحو 35 كيلومتر،وقيل : ان كل عشرة فراسخ ( نحو 60 كم ) تعادل مسيرة يوم واحد، ويقال : المرحلة هي المنزلة يرتحل منها، وما بين المنزلين مرحلة. والجمع مراحل. يقول الإصطخري  ( عاش في النصف الأول من القرن الرابع الهجري) في كتابه المسالك والممالك:" المسافات بمصر:من ساحل بحر الروم حيث ابتدأناه إلى أن يتصل بأرض النوبة من وراء الواحات نحو 25 مرحلة، ومن حد النوبة مما يلي الجنوب على حدود النوبة نحو 8 مراحل، ومن القلزم على ساحل البحر إلى أن ينعطف على التيه 6 مراحل..".


13.المرجع :


  مقياس مساحي للأراضي استعمل في المغرب. يقول ابن جبير:".. وطول مسجد بيت المقدس أعاده الله للإسلام،سبع مئة وثمانون ذراعا،وعرضه أربع مئة وخمسون ذراعا ... فيكون تكسيره من المراجع المذكورة مئة مرجع وأربعين مرجعا وخمسي مرجع .. " .


     يروى عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله في الحديث النبوي الشريف: " لا تقصر الصلاة في أقل من أربعة بُرد" ولحساب المسافة : يساوي الميل 4000 ذراع ، و يساوي الذراع 43 سم  أي أن الميل1720 مترا ، ولما كان البريد يساوي 12 ميلا ، فالبريد يساوي 20.640مترا ،وعليه فالبرد الأربع تساوي 82.56 كم ، ويكاد هذا الرقم  يطابق مسافة القصر المعتمدة في كتب الفقه وهي 81 كم  .


     كما تبقى بعض الأمور التي يصعب تفسيرها أو حسابها،ومن ذلك الأخذ بالقول : أن البريد فرسخان، ولما كان الفرسخ ثلاث أو أربع أميال فالبريد إما ست أو ثمانية أميال ، وهذا سيؤدي إلى أرقام غير مقبولة،ولحساب هذا الأمر وفق القول أن الميل يساوي 4.000 ذراع ، والذراع يساوي 8 قبضات .. إلخ فإن الميل يساوي 2.560 مترا ومن ثم يساوي البريد 30.62 كم ، وعليه ستكون مسافة القصر هي 122.48 كم  وليس 81 كم.  كما يصعب الأخذ بالقول : أن الفرسخ ( 12.000 ذراع ) يساوي 25 غلوة ، لأن هذا يعني أن مدى السهم أي الغلوة يساوي 480 ذراع  أي أكثر من 200 متر وهذا غير صحيح .
   
     وصفوة القول: ان مقاييس العصور الماضية كانت من حيث الدقة والتنوع على درجة لا بأس بها بصفة عامة،رغم اختلاف الأرقام والنتائج،إلا أنها مقبولة وفق إمكانيات ذلك الزمن ، ولبت احتياجاته ومتطلباته .
مقدم باحث جغرافي

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018