المدرسون يدفعون تلاميذهم الى شوارع السنغال.. للتسول

 

دكار - يتدثر ساليو حافي القدمين في ملابس رثة لا تكاد تستر بدنه النحيل البادي القذارة.. ويجهل الصغير تماما كم يبلغ من العمر ولا يعرف متى بالتحديد بدأ التسول في شوارع دكار المتربة.


لقد أرسله والده الذي يعيش مع اسرته في قرية على مسافة 300 كيلومتر عن العاصمة السنغالية لتعلم القرآن الكريم. وبدوره دفع به مدرسه الى الشارع ليتسول من أجل تدبير مصاريف تعليمه.


 قال ساليو: "إنه يضربني لو لم أجمع 200 فرنك افريقي." وهو المبلغ الذي يعادل 40 سنتا اميركيا. ويقول ساليو إنه يريد العودة الى عائلته.


ويمضى ساليو ست ساعات يعكف على حفظ القرآن الكريم، لكنه يقضي باقي اليوم  في الشارع. ولا يتحدث ساليو الذي يبدو في السابعة من العمر الفرنسية التي هي اللغة الرسمية في السنغال ولا يعرف سوى الولوف وهي لغة محلية واسعة الانتشار.


وبعض زملائه الاخرين من التلاميذ الذين يحملون جميعا علبة من الصفيح لجمع  تبرعات من المحسنين. وتتراوح أعمار زملاء ساليو بين الثالثة والرابعة. ويقفز أصغر الاطفال بين السيارات طالبا بعض المال.


 وكانت مدارس تحفيظ القرآن الكريم تتركز بالاساس في الريف حيث كان الآباء  يسلمون اطفالهم الى من يسمون بالمرابطين الذين يتكفلون بتعليمهم مقابل العمل في الارض.


وفي السبعينات والثمانينات أدى الجفاف في السنغال ذات الاغلبية المسلمة الى هجرة جماعة من الريف شارك فيها أيضا المرابطون الذين أخذوا تلاميذهم معهم. وفي ظل عدم امتلاك أرض ولا دخل أرسل اولئك المرابطون تلاميذهم للشوارع بغية التسول.


قال صندوق الامم المتحدة للطفولة (يونيسيف) في عام 2001 إن عدد الاطفال المتسولين في الشوارع يصل الى مئة الف وأغلبهم من مدارس تحفيظ القرآن الكريم.


ويقول هؤلاء إن المشكلة تتفاقم وإن الأمر ليس مجرد تضخم عدد الاطفال السنغاليين، لكن أيضا الاطفال من دول غرب افريقيا الاخرى مثل غينيا بيساو ومالي. ولا يرى الاطفال اباءهم الا فيما ندر.


ولا يستطيع عثمان (أربعة أعوام) الذي جاء من قرية تبعد 700 كيلومتر جنوبي العاصمة أن يتذكر موقع منزله.


قال الطفل الذي يتسول مع شقيقه الأكبر البالغ من العمر ستة أعوام: "لا  اتذكر متى رأيت والدي. حدث ذلك منذ فترة طويلة للغاية."


وتقول اليونيسيف ومركز شبكة سينابس المحلية إن هناك صنوفا مختلفة من الاطفال في هذه المدارس التي قد لا تدرس سوى أحكام التلاوة على الاقل. ولا يتعرض كل الطلاب للضرب.


وقال سير كين رئيس مركز شبكة سينابس التي فشلت في محاولة لاقناع الطلاب بالتوقف عن التسول "هذه المدارس كانت طريقة جيدة لتلقي بعض التعليم (لكن) الان ثمة انحراف".


 "هناك مرابطون مزيفون لا يريدون أن يعلموا.. إنهم يستغلون." مضيفا إنه حتى في أفضل المدارس يمضي التلاميذ وقتا أقل كثيرا في الدراسة ووقتا أطول في الشارع ما يقلص فرصهم في الحصول على فرصة عمل.


 وقال روبرتو بينيس مسؤول الحماية في يونيسيف إن ظروف الطلاب تتفاوت بدرجة كبيرة. وأضاف "هناك بعض الاطفال الذين اندمجوا في النظام بدرجة جودة معينة من التعليم وقدر قليل للغاية من التسول.. ويمضي الاخرون حياتهم في  الشارع في وضع شديد الخطورة."


وقال المرابط (المعلم) عبد الله سيسي في مدرسته بأحد ضواحي دكار إنه ما من خيار أمامه سوى الدفع بالاطفال الى الشارع.


 وقال: "لو كنت استطيع اطعامهم لما كنت أرسلهم الى الشارع ولكانوا في  المنزل معي. إني أشعر بالقلق كثيرا على أمنهم."


وعند سيسي 20 طفلا يعيشون معه ومع زوجته وابنتيه في كوخ صغير يستأجره بأحد ضواحي دكار. وهو يستخدم غرفة مساحتها 3.5 متر مربع كفصل دراسي ومصلى وأيضا كحجرة نوم لجميع الاطفال الذين ينامون على حشيات.


ويعيش المرابط مع اسرته في غرفة مجاورة بنفس الحجم وفي فناء المنزل ثمة صنبور وبعض أواني الطهي وما يبدو مثل موقد للطهي.


ويقول سيسي الذي كان هو نفسه احد طلبة العلم إن الاولاد يستيقظون في الخامسة فجرا ويستمرون في الدراسة لثلاث فترات دراسية مدة كل منها بين ساعتين وثلاث ساعات تتخللها ثلاث جولات تسول تبدأ اخرها بعد غروب الشمس. 

والتركيز ليس على تعليم الاطفال تفسير معاني وفهم ألفاظ القرآن الكريم لكن مجرد حفظ الايات باللغة العربية.


وعندما يبلغ الطالب 15 عاما فانه يترك هذه المدارس الى مرحلة اخرى يتعمق  فيها أكثر في دراسة القرآن الكريم أو قد يسعى للحصول على بعض التدريب أو يبحث عن وظيفة.


ويقول بينيس من اليونيسيف إن كثيرا من الصبية الذين لم يتدربوا عمليا قبل أن يغادروا مدارسهم الدينية يعملون في القطاع غير الرسمي والبعض يهاجر. ويعود اخرون الى قراهم لكن لا يعثرون على فرصة عمل فينتهي بهم المطاف في دكار. والبعض الاخر لديه فعلا خطة جاهزة.. إنهم يريدون أن يصبحوا هم أيضا  مرابطون.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018