"الجمهور" و"الإجماع": في الهروب من "برهان الرأي" إلى "سلطان الرأي"

د. نارت قاخون

الاحتكام إلى الشعبيّة والأغلبيّة والجماهيريّة، يصلح لقياس توجّهات مجتمع ما وميول أغلب أفراده، لكنه لا يصلح لقياس الصواب والخطأ علميّاً وفلسفيّاً.
يُلاحظ التناقض عندما تجد فئة كانت تصرّ على مبدأ "قلّة الخيرين"، و"غربة أهل الحقّ"، و"ما أكثر النّاس ولو حرصت بمؤمنين"، تحتجّ بـ"الجمهور" و"كثرة الأتباع" للتدليل على "صوابها وحقّها".
ويُلاحظ التناقض أيضاً عندما تجد فئة كانت تصرّ على "الديمقراطيّة"، و"خيار الجماهير" عياراً للاختيارات والتوجّهات الواجب احترامها، ترى في "شعبيّة" فكرٍ ما أو شخصيّة ما ترفضها "كارثة" ناتجة عن "جهل الجماهير وسفه أحلامهم".
لا خروج من هذين التناقضين إلا بالفصل بين "الشعبيّة" و"الجماهيريّة" من جهة، و"الصوابيّة" أو "الأفضليّة الفكريّة" من جهة أخرى؛ فالشعبيّة مقياس شيوع وميول لا مقياس صواب وأفضليّة بالضرورة. ومَن كان يرى "الشعبيّة والجماهيريّة" ضرورة، ويرى "الجماهير" تتبنّى غير ما يريد، وتميل إلى غير ما يميل، فليُغيّرْ آراءهم وتوجّهاتهم بوسائل التغيير الممكنة والمشروعة، فكريّاً وإعلاميّاً ومجتمعيّاً.
"الصوابيّة والأفضليّة" العلميّة والفكريّة لا تعتمدان على "الأشخاص"، ولا على "الجمهور"؛ هما ابنان شرعيان للحِجاج العلميّ والأدلّة والاستدلال.
ومن آثار مغالطة "الاحتكام إلى الجمهور"، لكن برفعها إلى "مستوىً أعلى في الدلالة والاستدلال" في "الخبرة الدينيّة المسلمة"، مفهوم "الإجماع". إذ يلحظ الدّارس لكتب "علماء المسلمين" على اختلاف مذاهبهم، أنّهم يستعملون مفاهيم مثل "الإجماع" و"المعلوم من الدين بالضرورة" لتأسيس الحجج لآرائهم. لكن ما يلفت النّظر والفكر أنّك تجد "فئة" تزعم "الإجماع" على "قول" وتعدّه من "المعلوم من الدين بالضرورة"، ثمّ تجد "فئة مخالفة" تزعم "الإجماع" على القول المناقض للقول الأوّل، أو المضاد له!
إنّ المدقّق في هذين المفهومين يعلم أنّهما ينتميان لحقل "سلطان الرأي" لا "برهان الرأي". فالإجماع والمعلوم من الدين بالضرورة في كثير من مباحث "العقائد" و"الفقه"، مفهومان يقومان على "الادّعاء"، توظيفاً لحجّة مفهوم الإجماع والمعلوم بالضرورة؛ فحين يقرأ من لا علم له بالمسائل واختلاف النّاس فيها، أو يسمع قول "شيخ": "أجمع المسلمون على كذا وكذا"، فإنه لن يجرؤ على المناقشة، فكيف بالمخالفة؟
ومن الغرائب والعجائب في أزمنة لم يعد فيها ما يُستغرَب وما يُستعجَب، أنّ عبارة "مَن ادّعى الإجماع فقد كذب" تُنسب لأحمد بن حنبل الذي تكثر نسبة "الإجماعات" له، وتكثر "الإجماعات" المدّعاة في كلام منتسبي مذهبه، كابن تيميّة وابن القيّم وأتباعهما إلى زمننا هذا! ومَن يقرأ المباحث الأصوليّة في توجيه مقالة "أحمد بن حنبل"، يعلم أنّ "الإجماع المرفوض" هو "الإجماع الذي يدّعيه المخالف" وحسب! وهكذا يصير "الإجماع" حجّة متى كان ناصراً للمذهب، وكذباً متى كان مخالفاً للمذهب.
وأتباع المذاهب الأخرى المخالفة للحنابلة وابن تيميّة ليسوا أقلّ ادعاءً وتوظيفاً للإجماع؛ فالأشاعرة مثلاً تزعم الإجماع على كثير من العقائد، وتجعله حجّة في إبطال قول المخالفين، ثمّ في تكفيرهم!
يُمكن القول إنّ "ادّعاء الإجماع" و"المعلوم من الدين بالضرورة" لا مذهب له، كما أنّ "التكفير" لا مذهب له؛ فالمذاهب عقديّاً وفقهيّاً لم تألُ جهداً في توظيف "ادّعاء الإجماع" وهم في ذلك يهربون من "عجز البرهان" إلى "سيف السلطان".
أمّا عن رأيي في "الإجماع"، فهو أنّه "ممكن عقلاً"، لكنه "ممتنع واقعاً". فالإجماع الذي يُؤسّس "أصلاً دينيّاً وحكماً فقهيّاً"، لا وجود له في الخبرة المسلمة بل الإنسانيّة، لأنّ الإجماع في تعريفه يفترض اتفاق جميع مجتهدي عصر من العصور على رأي واحد، وهذا تعريف لا يُمكن تحقّقه ولا ضبطه؛ فمن هو "المجتهد" الذي يُعتبر رأيه ومَن الذي لا يُعتبر؟ ومَن هو "المجتهد" ابتداءً؟ وإن تجاوز أحدهم ضبط الإجماع وحصره بالمجتهدين إلى العلماء، فإن المشكلة تظلّ قائمة؛ إذ لو واجهتَ "إجماعاً مدعىً" بوجود "علماء" يخالفونه، قال لك المحتجّ بهذا "الإجماع": هؤلاء ليسوا علماء ليُعتبر خلافهم! فهذا "المدّعي الإجماع" يحصر "العلماء" في مذهبه وجماعته. ثمّ كيف السبيل إلى التحقّق من اتفاق رأيهم جميعاً؟ ثمّ كيف نضبط مفهوم "العصر"؟ فالعصور ليست حدوداً زمانية منفصلة بل هي متداخلة؛ ففي زمن الصحابة مثلاً، كان هناك تابعون من أهل الاجتهاد، فهل يؤخذ رأي التابعين في حضور الصحابة؟
ما يقوله هذا المقال هو أنّ "الاحتكام إلى الجمهور" أو "ادّعاء الإجماع" لا يدلّ إلا على "شيوع رأي وانتشاره" وحسب. وهذا الشيوع لا يدلّ على الصحّة بالضرورة، فإنّ انحياز الجمهور إلى رأي في زمن ما تؤثّر فيه مجموعة من الانحيازات المعرفيّة والشعوريّة، تجعله أقرب للخيارات النفسيّة والمجتمعيّة من كونه خياراً عقلياً علميّاً معرفيّاً. فالنّاس تنحاز لرأي السلطان طلباً لمنافعه والانسجام معه، وتنحاز للمألوف المعروف من الآراء، وتنحاز لما يصوّب آراءها السابقة وتقاليدها المتوارثة، وتنحاز لرأي جماعتها ومذهبها وحزبها، وتنحاز للأفكار الحارة التي تثير المشاعر أكثر من الأفكار الباردة العقلانيّة... وغير ذلك من انحيازات تجعل شيوع الرأي بين الجماهير حتى يكاد أن يبلغ "الإجماع" -نظريّاً- فاقداً شروط الصوابيّة العلميّة.
ما تقدّم لا يعني أنّ رأي الجمهور لا قيمة له في أيّ شأن من شؤون المعرفة والمجتمع، بل قد يكون أفضل طريقة ممكنة لغاية الآن، أو بتعبير آخر أقلّ الطرق سوءاً لتحديد خيارات مجتمع ما وتوجّهاته في شؤونه السياسيّة والاجتماعيّة. لكن الشيوع وغلبة الرأي تتميّز بالسيرورة والصيرورة التحوّليّة؛ فهي تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان، وتتأثّر بعوامل التحوّل والتطوّر، وهذا تحديداً ما يخالف رؤية "مدّعي الإجماع"، لأنّهم يرونه حجّة لازمة لكلّ زمان ومكان؛ فالإجماع عندهم مفهوم "سكونيّ" "ثبوتيّ".
أشير في خاتمة المقال إلى أنّ مفهوم "الإجماع" له عند "الأصوليين" تفاصيل ومباحث" أدقّ وأعمق من هذه التي طرحت في المقال، لكنّني تناولت "الإجماع" بمفهومه "السائد الشائع". فما يلفت النّظر أنّ "المفاهيم الشائعة" المتداولة بين "النخب الدينيّة والثقافيّة" في زماننا، لا تتميّز بالدقّة والعمق والوعي التي كان يتميّز بها استعمال هذه المفاهيم في الأزمنة السابقة؛ فالسطحيّة والشعبويّة أصبحتا سمة خطاب "النخب المثقّفة" عموماً، ممّا يجعل وصفها بـ"النخب" وصفاً مضلِّلاً. وفي شأن الخطاب الدينيّ تحديداً، أستطيع الزعم من دون تردّد أنّ أغلب "نجوم الخطاب الدينيّ" الأكثر أتباعاً والأوسع انتشاراً وتأثيراً في زماننا، لا تتجاوز حصيلتهم المعرفيّة من الأصول في الدين والكلام والفقه واللغة والتفسير، بضعَ صفحات من مختصرات! هذا في علوم السابقين وأصولهم، أمّا في علوم العصر ومعارفه وفلسفاته، فحدِّث عن حجم "الغياب" و"الغيبوبة" ولا حرج.

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018