"على هذه الأرض ما يستحق الحياة"

جهاد المنسي

هي سيدة السيدات، وزينة الصبايا، والمعشوقة حد الثمالة والوجد. هي أرجوحة القصيدة، وسيمفونية الوفاء، وعتابا الفلاحين، وأمل الكادحين والحراثين، وحبيبة المقاومين، وبيدر المزارعين، ولقاء العاشقين، هي الأرض، سيدة المكان والزمان، وقصيدة الشعراء، وأهزوجة الوفاء، هي الأم والأخت والزوجة والحبيبة.
هي الأرض، التي لا تتغير علينا، ولن نتغير عليها، هي الأرض التي سطر في بيدائها المقاومون قصائد لا تنتهي عن حب الوطن، ومن أجلها سالت دماء المناضلين، وما تزال.
هي الأرض التي طرز على بطحائها الفدائيون قصائد عشق، ليست ككل القصائد، وحفرعلى صخورها الأطفال مداميك من الأمل وقوة الحق التي لا تلين.
هي الأرض التي استشهد لأجلها محمد جمجوم وعطا الزير وفؤاد حجازي، قبل عشرات السنين، وسبقهم على طريق الشهادة الشهيد كايد المفلح العبيدات العام 1920، ولحقهم الآلاف من الشهداء الذين عرفوا أن الأرض لا يمكن ان تكون لغير أصحابها، وأن الغربان وإنْ استوطنت قليلا فسيأتي يوم وترحل.
هي الأرض التي نعرفها، نعشقها نزرع في أحراشها قناديل الوفاء، ونرسم على أشجارها صور الوفاء الذي لا ينقطع أبدا، وسيتواصل فداء ومقاومة، طالما بقيت وجوه غريبة في أرضنا السليبة.
هي الأرض سيدة كل الأوقات والأزمان والتواريخ والأشهر، هي الأرض التي يعلن من على جبالها كل يوم مناضل فلسطيني ان لا وجود على ترابها لكل مستعمر او مستوطن، ولكل قادم من البحر أو البر أو الجو.
هي الارض أمنا التي تضعنا بين جنباتها، وتحنو علينا وتضمنا وتجدد فينا جذوة الصمود والمقاومة وإيقونة الأمل والوفاء، وتحفز في كل مقاوم صور حب الوطن.
هي الأرض التي تعرف من حرثها قبل مئات السنين، ومن زرعها زيتونا وتينا وعنبا وبرتقالا، وتعرف من يعرف لون ترابها، ومقاسات جبالها، ودفء غورها، وجمال ساحلها، وتعرف يد مغتصبها، وبطش قاتل أطفالها.
هي الأرض التي قال فيها شاعر فلسطين الأكبر محمود درويش ذات يوم "أنا الأرض.. يا أيّها الذاهبون إلى حبّة القمح في مهدها احرثوا جسدي..! أيّها الذاهبون إلى صخرة القدس، مرّوا على جسدي، أيّها العابرون على جسدي لن تمرّوا.. أنا الأرضُ في جسدٍ لن تمرّوا.. أنا الأرض في صحوها.. لن تمرّوا.. أنا الأرض. يا أيّها العابرون على الأرض في صحوها.. لن تمرّوا.. لن تمرّوا.. لن تمرّوا!".
ولأنها الأرض، ولأن اليوم ذكرى وفاء لمن سقطوا في يوم الدفاع عن الأرض، عندما أصدرت القوات الصهيونية في العام 1976 مرسوماً يتضمن مصادرة آلاف الدونمات في قرى سخنين وعرابة ودير حنا، والذي جاء ضمن مشروع صهيوني لتوسعة منطقة الجليل والمثلث، حيث أحدث القرار غضباً شديداً في نفوس الفلسطينيّين في الأراضي المحتلة العام 1948 ونظّمت مئات المسيرات والاحتجاجات في قرى وبلدات عربيّة من الجليل شمالاً إلى النّقب جنوباً، وقد شاركت في تلك المظاهرات جميع قطاعات الشّعب الفلسطيني من طلبة وعمّال، ونتج عن ذلك سقوط عدد من الشّهداء نتيجة استخدام السّلطات الصّهيونيّة للعنف والرصاص الحي في التّعامل مع تلك المظاهرات والاحتجاجات السلمية، وعلى اثر ذلك قرّرت شخصيّات فلسطينية اعتبار يوم الثّلاثين من شهر آذار (مارس) من كلّ عام يوماً للاحتفال بيوم الأرض تعبيراً عن الغضب المستمرّ تجاه السّياسات العنصريّة في مصادرة أراضٍ فلسطينية بغير وجه حقّ، ورفضا للوجود الصهيوني المستعمر والغازي على أرض فلسطين كل فلسطين، وتعبيرا عن تمسك الشعب الفلسطيني بأرضه مهما تكالبت عليه الأهوال والمحن، فكانت هبّة الأرض، فداء لها وتمسكا بها وبكل شبر وذرة تراب فيها.
لأنها الأرض، يردد جيل بعد جيل قائلا: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة، على هذه الأرض سيدة الأرض، أم البدايات أم النهايات، كانت تسمى فلسطين، صارت تسمى فلسطين، سيدتي: استحق، لأنك سيدتي، استحق الحياة".

Powered by: joos.co
© جميع حقوق النشر محفوظة لجريدة الغد 2018